اغتيال حُلم المواطن

 

مدرين المكتومية

مثل كل الصباحات المتشابهة لدى الكثير من الباحثين عن عمل، قرَّر الشاب حمد بعد انتظار طويل أن يبدأ مشروعه الخاص، بعد أن ظل طويلًا يفكر في الكيفية التي يمكنه أن يُخطط لمستقبله، فظل يراجع ويتابع ويقرأ ويناقش الأمر مع الكثير ممن حوله، حتى وصل لقناعه تامة هي أن "الانتظار صعب، والمجازفة أصعب"، لكنه بعد أن خطَّط جيدًا انطلق نحو البدء في أولى مراحل تخليص الإجراءات، وبين يديه ملفه الذي حرص على أن يكون مُنظّمًا ومُرتَّبًا، ولم يكن يعلم أن الترتيب والنظام في بعض التعاملات ليس الوسيلة الحقيقية للوصول.

تابع البحث من جهة إلى أخرى ومن دائرة لأخرى، يختم أوراقًا هنا ويوقع في مكان آخر، والساعات تمتد، ويبدأ حماسه في الضعف تدريجيًا، حتى يشعر أنه يدور في حلقة مفرغة؛ فلم تكن المشكلة بالتأكيد في الفكرة التي عمل عليها ليل نهار، ولا في قدرته على تنفيذها، وإنما في الطريق الطويل المليء بالإجراءات المُعقَّدة التي لا تنتهي.. حينها توقف ليُحدِّث نفسه قائلًا: لماذا أخوض غمار التجربة في بيئة لا تشجع على ذلك؟!

قصة هذا الشاب ليست استثناءً بالتأكيد، فمثله الكثير والكثير ممن بدأ وتوقف، ومن ماتت فكرته قبل أن يبدأ بها، فهذا الواقع الذي يعيشه الكثير من أصحاب الشركات، ومؤسسات القطاع الخاص ورواد الأعمال؛ فالإجراءات الطويلة والمعقدة بالإضافة إلى الضغط الكبير يشكل عائقًا كبيرًا أمام نمو القطاع الخاص، القطاع الذي يُعوَّل عليه الكثير والكثير خاصةً في خلق فرصة عمل وتحريك عجلة الاقتصاد في البلد, هذا القطاع الذي يعيش بشكل يومي ضغط في المطالبات والاجراءات التي جعلت منه قطاعًا فقط يريد أن ينجو بنفسه، وأن يظل صامدًا أمام الريح العاتية، قبل أن يكون فعلًا قطاعًا يُعامل كشريك حقيقي في التنمية الاقتصادية، خاصة وأن المعاملة البسيطة تصبح بالنسبة له رحلة شاقة بين المكاتب والدوائر لا تساهم بنجاحه بقدر ما تستهلك طاقته.

هنا أريدُ التطرق إلى مفهوم يرتبط ارتباطًا كبيرًا بالنمو الاقتصادي وهو "ضعف الإنتاجية"، ونؤكد أنه ليس نتيجة تقصير الأفراد، بل نتيجة بيئة عمل مثقلة بالتعقيدات؛ فهناك موظف يتابع أوراق، ومستثمر ينتظر موافقات لأسابيع وربما لأشهر، وكلاهما بعيد جدًا عن جوهر العمل والإنتاج، خاصةً وأن الكثير من ضعف الإنتاجية يصبح عادةً مع الوقت؛ فيتحول عندها الانتظار لجزء طبيعي من أي إجراء، وكأنَّ الوقت شيء لا قيمة له! وما يزيد الطين بلة، مسألة الغرامات، التي أصبحت عبئًا ثقيلًا على كاهل رواد الأعمال وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فبدلًا من تشجيعهم وتقديم الدعم المالي والحافز لهم على مواصلة العمل، تُفرض عليهم غرامات تسبب في نفورهم عن السوق، وتبعث برسالة سلبية إلى رواد الأعمال الجُدد أو الذين يرغبون في خوض غمار ريادة الأعمال بحثًا عن مصدر رزق، وكأن بعض الجهات لا همَّ لها سوى تحصيل الغرامات!

هذا الوضع بالطبع لا يؤثر فقط على أصحاب المشاريع والشركات؛ بل يتأثر به المجتمع بأكمله؛ فالكثير من أبناء المجتمع يصاب بالتردد إزاء بَدء مشروع، ويتراجع أحدهم بسبب التعقيدات، وبالتالي فإن فرص العمل المحتملة قد تتبخر قبل أن ترى النور، ويظل هؤلاء الأشخاص عبئًا على الحكومة التي تحاول جاهدة خلق وظائف؛ لأن البعض ممن يعمل فيها لا يدرك عمله بالأساس ودوره الحقيقي في تشجيع القطاع الخاص على النهوض. وهنا تمكن القضية الحقيقية، ففي الوقت التي نسعى فيه لخفض معدلات الباحثين عن عمل، تظل بيئة الأعمال هي التي تعرقل جهود خلق الوظائف، والأخطر من ذلك هو الأثر النفسي الذي يعيشه هؤلاء الشباب، وقدر الإحباط الذي يتسلل إلى نفوسهم، مما يقودهم لفقدان الشغف ويُطفئ بداخلهم روح المبادرة.

إنَّ تمكين القطاع الخاص لا يتطلب شعارات رنانة، بل هو بحاجة لإصلاح حقيقي وواضح يبدأ من تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية، والعمل على تشجيع التحوُّل إلى الأنظمة الرقمية الحديثة، وربط الجهات الحكومية بآليات واضحة وسريعة، وكلما كانت الخطوات هذه محل اهتمام، كانت هناك ضمانات بوجود اقتصاد حيوي وفُرص أكثر انتشارًا.

الحقائق تؤكد أنه لا يمكن مطالبة القطاع الخاص القيام بدور أكبر وأن يتوسع في السوق، بينما الإجراءات والقوانين ومزاجية بعض الموظفين تضع في طريقه العراقيل التي تعيق تحركه؛ فالبيئة الصحية للعمل ليست ترفًا بقدر ما هي ضرورة لا يمكن تجاهلها؛ لأن هذه البيئة الصحية- كما يعلم الجميع- تمثل المفتاح الحقيقي لاي اقتصاد مُنتج والمضي قدمًا نحو مستقبل يضمن الفرص العادلة والمزدهرة للجميع.

وأخيرًا.. لن أتحدث عن توصيات أو مقترحات، لكنني أشير إلى تطلعات أزعم أن كل مواطن على هذه الأرض يطالب بها ويتمنّاها، مثل: ضرورة إعادة النظر في القوانين ذات الصلة ببيئة الأعمال، من حيث مرونتها، وأن يُتخذ أي قرار- مهما كان- بعد دراسة مجتمعية وافية وقياس لردة فعل الناس، وأن ينتهج المسؤولون سياسة الأبواب المفتوحة، فلا يكفي وضع حائط صد بين المواطن والمسؤول تحت حجة "التحول الرقمي"، كما إن غياب التنسيق بين الجهات الحكومية أمر يتعين أن ينتهي، حتى لا تتحول إلى جزر منعزلة، فضلًا عن ضرورة العمل على القضاء نهائيًا على المحسوبية واستغلال النفوذ ونهج "الشِلليّة" الذي يُدمر- حرفيًا- بيئة الأعمال، ويُجهض جهود كبيرة تبذلها الحكومة.. فهل هناك من يستجيب لـ"المواطن" أم على قلوب أقافلها؟!

الأكثر قراءة

z