سلطنة عُمان أرض السلام

 

 

 

فراس أسعد كنج **

 

تُعد سلطنة عُمان اليوم التجسيد الحي والنموذج الواقعي للمقولة الراسخة التي تؤمن بأن "من يزرع السلام يحصد الأمان"، وفي ظل عالمٍ تموج فيه الاضطرابات الجيوسياسية وتتصارع فيه الإرادات، اختارت السلطنة أن تكون صوت الحكمة الهادئ والرزين، انطلاقًا من إيمان عميق متجذر في الوجدان العُماني بأنَّ تمني الخير للآخرين والسعي لصالح البشرية هو أقصر طريق لجلب الخير للذات وضمان ديمومته.

هذا النهج العُماني الأصيل ليس مجرد خيار سياسي عابر تمليه الظروف الراهنة أو المصالح الآنية، بل هو انعكاس لعمق حضاري ضارب في التاريخ، وثقافة شعب جُبل على قيم التسامح ومد جسور المحبة والتعاون مع الجميع دون استثناء؛ حيث استطاعت مسقط أن ترسم لنفسها مسارًا فريدًا جعل منها واحة للاستقرار والسكينة في قلب منطقة مُلتهبة؛ حيث ارتدت نواياها الطيبة وجهودها الصادقة تجاه العالم بردًا وسلامًا ونماءً على أرضها وشعبها، مؤكدة للقاصي والداني أن الدبلوماسية الرشيدة والكلمة الطيبة قادرتان على صنع المعجزات حين تتعثر لغة القوة وتغيب العقلانية.

​ويتجلى هذا الانتصار الأخلاقي والسياسي العُماني بأبهى صوره في الدور التاريخي والمحوري الذي يؤديه سلطنة عُمان لضمان استقرار مضيق هرمز، هذا الشريان الحيوي الذي يمثل نبض الاقتصاد العالمي وحلقة الوصل الأساسية بين الشرق والغرب. ففي الوقت الذي تصاعدت فيه حدة التوترات التي هدَّدت بشكل مباشر وخطير أمن الملاحة الدولية ولوحت بشبح إغلاق المضيق، برزت عُمان كقوة توازن لا غنى عنها وملاذ آمن للحوار.

إنَّ الدور العُماني في حل أزمة مضيق هرمز لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة سنوات من بناء الثقة مع كافة الأطراف الدولية والإقليمية؛ حيث عملت عُمان عبر قنواتها الدبلوماسية الهادئة على نزع فتيل الأزمة وتغليب لغة المصالح المشتركة على لغة الصدام. ولا شك أن سعي مسقط الدؤوب لتأمين هذا الممر المائي الاستراتيجي يتجاوز حدود المصالح الوطنية الضيقة ليشمل حماية مصلحة الاقتصاد العالمي بأسره، وهو ما جعل من السياسة العُمانية "صمام أمان" يحظى بتقدير واحترام الخصوم قبل الحلفاء، فالعالم يدرك يقينًا أن الموقف العُماني لا ينطلق من الانحياز لطرف على حساب آخر، بل من رغبة صادقة ومبدأ ثابت في تجنيب المنطقة والعالم كوارث اقتصادية وإنسانية قد تمتد آثارها لعقود.

​لقد أثبتت التجارب المتلاحقة أن عُمان هي المنتصرة دائمًا في كل الرهانات الصعبة، ليس لأنها تمتلك ترسانات عسكرية ضخمة، بل لأنها تمتلك ما هو أقوى من ذلك بكثير: إنها تمتلك المصداقية والحياد الإيجابي. هي المنتصرة لأنها لم تراهن يومًا على محاور الصراع أو لغة الهدم والإقصاء، بل راهنت دائمًا على الإنسان وعلى قيم الحق والعدل والوساطة التي تهدف للحل لا للتعقيد. وبينما ينشغل الكثيرون ببناء التحالفات العسكرية ورصد ميزانيات التسلح، تنشغل عُمان ببناء جسور الثقة وتقريب وجهات النظر المتباعدة، وهو ما منحها "قوة ناعمة" هائلة تفوق في تأثيرها أعتى الأسلحة التقليدية.

وهذا الاستقرار الاستثنائي الذي تنعم به السلطنة اليوم، والنهضة الاقتصادية المتسارعة التي تمضي فيها بخطى واثقة ومدروسة، ما هو إلا الحصاد الطبيعي لتلك السياسة الحكيمة التي آمنت بأن الخير الذي نتمناه ونصنعه للآخرين سيعود إلينا حتمًا بأشكال مضاعفة من الطمأنينة والازدهار.

إنَّ عُمان اليوم لا تحمي حدودها الجغرافية فحسب، بل تحمي أمن الطاقة العالمي وتحفظ توازن التجارة الدولية، لتظل دائمًا وأبدًا رمزًا شامخًا للسلام، وملاذًا آمنًا للحكمة، ومنارةً تضيء دروب الأمل في زمن الأزمات، مؤكدة أن من كانت بوصلته الخير، فلا بُد أن تكون نهايته الانتصار والرفعة.

** محامٍ

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z