استثمارات الأمن الغذائي تخفف من حدة الاضطرابات الداخلية

الشكيلي لـ"الرؤية": الاستثمار الزراعي يشهد تطورًا نوعيًا.. والعمل وفق منظومة متكاملة يقود نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي


 

 

493 مشروعا بقيمة 1.8 مليار ريال.. والتركيز على ربط الإنتاج بالتصنيع الغذائي

البرنامج الاستثماري يتوزع على القطاعات النباتية والحيوانية والسمكية والمائية

مشاريع الزراعة الحديثة والبيوت المحمية والتصنيع الغذائي من الأكثر جذبا للاستثمارات

القطاع يحتاج إلى المزيد من الاستثمار النوعي والتركيز على السلع ذات الأولوية

 

 

الرؤية- سارة العبرية

أكد المهندس عبدالعزيز بن مُحمد الشكيلي مدير دائرة الاستثمار بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، أن الاستثمار الزراعي في سلطنة عُمان أصبح ركيزة استراتيجية ضمن منظومة الأمن الغذائي، كما أنه توجه يتم التركيز عليه منذ إطلاق البرنامج الاستثماري الاستراتيجي للأمن الغذائي في عام 2021؛ حيث انتقلت الوزارة من منطق دعم الإنتاج المنفرد إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الإنتاج، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، وإدارة الموارد، وربط كل ذلك بأهداف الاكتفاء الذاتي والاستدامة.

وأوضح -في حوار خاص لـ"الرؤية"- أن ما تحقق خلال الخطة الخمسية العاشرة يعكس حجم هذا التحول؛ إذ بلغ إجمالي المشاريع الاستثمارية في البرنامج الاستثماري للأمن الغذائي 493 مشروعًا بقيمة تقارب 1.87 مليار ريال عُماني، وهو رقم لا يدل فقط على حجم الاستثمار، وإنما يؤكد أن الدولة أصبحت تتعامل مع الأمن الغذائي باعتباره ملفًا اقتصاديًا واستثماريًا متكاملًا.

وبيّن أن هذه المشاريع توزعت بين 325 مشروعًا في قطاع الثروة النباتية بقيمة 450.7 مليون ريال عُماني، و74 مشروعًا في قطاع الثروة الحيوانية بقيمة 355.9 مليون ريال عُماني، و65 مشروعًا في قطاع الثروة السمكية بقيمة 606 ملايين ريال عُماني، و29 مشروعًا في قطاع موارد المياه بقيمة 457.4 مليون ريال عُماني، ما يعكس أن التوجه لا يقتصر على الزراعة فقط، بل يشمل بناء أمن غذائي متعدد الركائز.

وأشار الشكيلي إلى أن إسهام الاستثمار الزراعي في تحقيق الأمن الغذائي يتحقق عبر ثلاثة مستويات متداخلة؛ يتمثل الأول في زيادة الطاقة الإنتاجية المحلية في السلع ذات الأولوية، بما يقلل الاعتماد على الواردات ويعزز استقرار التوفر في السوق المحلي، فيما يتمثل الثاني في توجيه الاستثمار نحو السلع والمحاصيل المرتبطة بحاجات السوق والفجوات القائمة، بحيث يكون التوسع توسعًا ذكيًا يعالج احتياجات فعلية، أما المستوى الثالث فيتمثل في تعظيم القيمة المضافة من خلال التصنيع الغذائي، باعتبار أن الأمن الغذائي لا يُبنى فقط بإنتاج المادة الخام، وإنما حتى بتحويلها إلى منتج نهائي أو شبه نهائي يرفع العائد الاقتصادي، ويقلل الفاقد، ويوطّن سلاسل الإمداد داخل السلطنة.

وبيّن أن أولويات وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في المرحلة الحالية تتركز في عدة مسارات متوازية تشمل الاستمرار في رفع نسب الاكتفاء الذاتي في السلع الزراعية ذات الأولوية، والتوسع في المشاريع التي تعتمد على التقنيات الحديثة مثل البيوت المحمية والزراعة الذكية، إضافة إلى الربط بين الإنتاج والتصنيع بدل الاكتفاء بالإنتاج الخام، ورفع كفاءة استخدام الموارد وخاصة المياه، مؤكدًا أن أي توسع لا يأخذ بعين الاعتبار الاستدامة سيفقد أثره على المدى البعيد، مؤكدا أن الاستثمار الزراعي لا يُقاس بزيادة عدد المشاريع فقط؛ بل بمدى قدرته على إعادة تشكيل القطاع على أسس أكثر كفاءة واستدامة.

وأكد الشكيلي أن توجه الوزارة في ملف الأمن الغذائي يقوم على فهم واقعي ومتوازن؛ حيث لا يستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في كل سلعة بشكل مطلق، لكون ذلك ليس الخيار الأكثر كفاءة اقتصاديًا أو بيئيًا في جميع الحالات، وإنما يهدف إلى تحقيق أعلى مستوى ممكن من الاكتفاء الذاتي في السلع التي يمكن إنتاجها محليًا بكفاءة واستدامة، مع الحفاظ على تنويع مصادر الإمداد للسلع الأخرى، موضحا أن هذا النهج يعكس نضجًا في التعامل مع الأمن الغذائي، الذي لا يُختزل في نسبة الإنتاج المحلي، بل في القدرة على تأمين الغذاء في مختلف الظروف عبر الإنتاج المحلي أو تنويع الشركاء والأسواق.

وأشار إلى أنَّ طبيعة الاستثمار نفسه تؤكد هذا التوجه، والبرنامج الاستثماري لم يقتصر على قطاع واحد؛ حيث توزع على القطاعات النباتية والحيوانية والسمكية والمائية، كما أن الخطة الاستثمارية لتوطين "المليار الثاني" في القطاع الزراعي النباتي، وما تتضمنه من محاصيل ومساحات مستهدفة لعام 2026، تُبرز أن التوسع يتم وفق أولويات محددة وقراءة دقيقة للاحتياج، وليس بمنطق التوسع الشامل غير الموجه.

وفيما يتعلق بالأثر الاقتصادي، أوضح الشكيلي أنه لا يمكن تأكيد نسبة رقمية دقيقة لمساهمة الاستثمارات الزراعية في الناتج المحلي الإجمالي استنادًا إلى البيانات المتاحة، إلا أن أثر هذه الاستثمارات يتجاوز الأرقام المباشرة؛ نظرًا لأن القطاع الزراعي يحرك معه أنشطة التصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية والتخزين والنقل والتعبئة والتسويق، مؤكدا أن تنفيذ 493 مشروعًا بقيمة 1.87 مليار ريال عُماني يعني أن الأثر يمتد إلى سلسلة اقتصادية متكاملة، وأن الاستثمار الزراعي أصبح جزءًا من اقتصاد إنتاجي أوسع.

وذكر الشكيلي أن هذه الاستثمارات تُسهم في استقرار الأسعار من خلال زيادة الإنتاج المحلي ورفع المعروض في بعض السلع، مما يخفف من حدة التقلبات ويمنح السوق قدرة أكبر على الاستجابة دون الاعتماد الكامل على الخارج، إلا أن الأسعار تظل مرتبطة بعوامل دولية مثل تكاليف الشحن وأسعار الطاقة وتقلبات الأسواق العالمية، مؤكدًا أن وجود قاعدة إنتاجية محلية أقوى يجعل السوق أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وأقل هشاشة أمام الاضطرابات الخارجية.

وأشار المهندس عبدالعزيز إلى أن الفرص الاستثمارية في القطاع الزراعي أصبحت أكثر تنوعًا ووضوحًا، نتيجة توجه الوزارة إلى بناء محفظة استثمارية مرتبطة بالأولويات الوطنية والميزة النسبية لكل محافظة وسلسلة القيمة لكل منتج، موضحًا أن المشاريع الموقعة بتاريخ 19 أبريل 2026 شملت 18 عقدًا بإجمالي مساحة 300 فدان وبقيمة استثمارية بلغت 1,932,180 ريالًا عُمانيًا، وتوزعت على أنشطة متعددة مثل زراعة الأشجار البرية وتربية النحل، وزراعة الخضروات الورقية بالتقنية الحديثة، وزراعة الخضروات في البيوت المحمية والحقل المكشوف، وزراعة العنب، وزراعة الجوافة والشيكو، وزراعة البصل، وزراعة المحاصيل العلفية والحقلية والخضار، وزراعة وإنتاج اللبان، إضافة إلى مصنع لتنقية وتعبئة المياه، كما امتدت هذه المشاريع إلى محافظات البريمي وشمال الشرقية وشمال الباطنة وجنوب الباطنة والوسطى وظفار.

وأوضح أن المشاريع الأكثر جذبًا للمستثمرين هي التي تجمع بين ثلاثة عناصر رئيسية، تتمثل في ارتباطها بطلب فعلي أو فجوة في السوق، واعتمادها على التقنية التي ترفع الإنتاجية وتقلل المخاطر، وقدرتها على تحقيق قيمة مضافة من خلال التصنيع أو سلاسل القيمة، مشيرًا إلى أن المشاريع المرتبطة بالزراعة الحديثة والبيوت المحمية والتصنيع الغذائي ومرافق التعبئة أصبحت أكثر جذبًا من المشاريع التقليدية.

ولفت المهندس عبد العزيز إلى أنَّ الاستثمار الزراعي يواجه تحديات هيكلية، في مقدمتها محدودية الموارد المائية والتغيرات المناخية وارتفاع تكلفة المدخلات وتقلبات السوق العالمية، مؤكدًا أن هذه التحديات لم تعد تُقرأ كمبررات للتباطؤ، بل كدوافع لتبني نماذج استثمارية أكثر كفاءة، تقوم على اختيار المحصول المناسب للمكان المناسب، واستخدام التقنيات الحديثة مثل الزراعة المحمية وأنظمة الري المتطورة، وتحسين إدارة الموارد.

وقال "إن كلفة الإنتاج لا تزال عنصرًا مؤثرًا في القرار الاستثماري الزراعي، ولكن ليس بالمعنى التقليدي الذي يجعلها حاجزًا مطلقًا أمام الاستثمار. المسألة اليوم لم تعد: هل التكلفة مرتفعة أم منخفضة؟ بل أصبحت: "هل نموذج المشروع قادر على إدارة هذه التكلفة بكفاءة وتحويلها إلى مشروع مستدام ومربح؟".

وأوضح أن المشاريع التقليدية التي تعتمد على أساليب إنتاج منخفضة الكفاءة تكون بطبيعة الحال أكثر عرضة لضغوط التكلفة، سواء من حيث العمالة أو المياه أو الطاقة أو مدخلات الإنتاج، أما المشاريع التي تعتمد على التقنية، والبيوت المحمية، والإدارة الذكية، وربط الإنتاج بالقيمة المضافة، فهي أكثر قدرة على امتصاص التكلفة وتحقيق عائد أفضل من نفس وحدة الأرض أو الماء.

وذكر أن الوزارة لا تتعامل مع ملف التكلفة بمعزل عن بقية عناصر البيئة الاستثمارية، فهناك حوافز مرتبطة بالأراضي، ودعم في تعرفة الكهرباء للمشاريع المرتبطة بالأمن الغذائي، وتوجه نحو محافظ تمويلية بشروط أفضل، وكل ذلك يهدف إلى جعل البيئة الاستثمارية أكثر قدرة على استيعاب تكلفة الإنتاج دون أن يفقد المشروع جدواه، كما أن التوسع في التصنيع الغذائي يضيف عنصرًا مهمًا في المعادلة، لأن المشروع حين يبقى في حدود بيع المادة الخام فقط يظل أكثر هشاشة أمام التكلفة، بينما حين ينتقل إلى التصنيع والتجهيز والتعبئة فإنه يرفع هامش القيمة ويصبح أكثر قدرة على الاستمرار.

وأكد أن التكلفة عامل مهم، لكنها لم تعد تُقرأ بمعزل عن الكفاءة، وعن التقنية، وعن القيمة المضافة، وعن الحوافز، وأن هذا هو الفارق بين الاستثمار الزراعي التقليدي والاستثمار الزراعي الحديث، مشيرا إلى أن التقنيات الحديثة مثل الزراعة الذكية والبيوت المحمية وأنظمة الري عالية الكفاءة لم تعد عنصرًا تكميليًا، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لنجاح الاستثمار الزراعي، لما توفره من قدرة على التحكم في البيئة الزراعية وتقليل التذبذب الموسمي ورفع جودة المنتج وتقليل استهلاك المياه، إضافة إلى دورها في تحسين إدارة العمليات الزراعية عبر البيانات، وهو ما ينعكس مباشرة على استدامة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي.

وأوضح أن التوقعات للسنوات الخمس القادمة تشير إلى تحسن ملموس وتدريجي في نسب الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات الزراعية، خاصة تلك المرتبطة بالأولويات الاستثمارية والمشاريع التي دخلت حيز التنفيذ، مؤكدًا أن هذا التحسن سيقوم على التوسع المنظم والمستند إلى خطط مدروسة، مع التركيز على الاستدامة وليس تحقيق زيادات مؤقتة.

وشدد الشكيلي على أن انتقال قطاع الاستثمار الزراعي في سلطنة عُمان من مرحلة النمو إلى مرحلة الاكتفاء والاستدامة يتطلب تحولًا في بنية القطاع، وليس مجرد زيادة في عدد المشاريع؛ فالنمو الكمي مُهم، لكنه وحده لا يكفي إذا لم يُترجم إلى منظومة قادرة على الاستمرار وخلق القيمة وامتصاص المخاطر.

وأردف قائلا: "أول ما يحتاجه القطاع هو مزيد من الاستثمار النوعي؛ أي الاستثمار الذي يدخل في السلع ذات الأولوية، ويعتمد على التقنية، ويستند إلى جدوى حقيقية، ويرتبط بسلسلة قيمة أوسع. وثانيًا، يحتاج القطاع إلى تعميق الربط بين الإنتاج والتصنيع الغذائي؛ لأن بقاء القطاع في حدود بيع المنتج الخام يقلل من قدرته على خلق قيمة مضافة، ويُبقيه أكثر عرضة للتقلبات. وثالثًا، يحتاج إلى تسريع التحول نحو النماذج الإنتاجية الكفؤة مائيًا وطاقيًا، لأن الاستدامة في النهاية تبدأ من حسن إدارة الموارد".

وتابع "كما أن القطاع يحتاج إلى بيئة استثمارية أكثر تكاملًا، تشمل وضوح الفرص، وسرعة الإجراءات، والتمويل المناسب، والتنسيق المؤسسي، والمتابعة الفعلية للتنفيذ. ومن المهم جدًا هنا أن التركيز في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون على توقيع العقود فقط، بل على رفع معدل تحويل الفرص إلى مشاريع قائمة ومنتجة. وهذا ما يجعل المتابعة، ومؤشرات الأداء، وقياس الأثر، عناصر أساسية في هذه المرحلة".

ويرى أنه من المهم أن يبقى القطاع محكومًا برؤية واضحة، مثلما حدث منذ إطلاق البرنامج الاستثماري الاستراتيجي للأمن الغذائي، لأنَّ الاستدامة لا تتحقق بمبادرات منفصلة، بل بمنظومة متكاملة تعمل على المدى الطويل، وتربط بين السياسة والاستثمار والإنتاج والتصنيع والموارد في إطار واحد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z