ترقُّب العاصفة

حاتم الطائي

ترامب أكثر رئيس أمريكي تعرَّض لفضائح وتلقى هزائم سياسية

المفاوضات مع إيران أثبتت الفشل السياسي لترامب وعجزه عن تنفيذ وعيده

الاقتصاد العالمي على شفا أزمة اقتصادية أعمق إذا استمرت الحرب

الهزائم العسكرية والفضائح السياسية والأخلاقية في تاريخ الولايات المُتحدة الأمريكية مُتعددة، حتى إنَّه ربما لا تخلو فترة حكم أي رئيس أمريكي من فضيحة سياسية أو أخلاقية أو هزيمة عسكرية، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية الناتجة عن قرارات خاطئة وانتهاج سياسات مالية ضارة بالاقتصاد الأمريكي والعالمي على السواء.

ورغم أنَّ هزائم عسكرية مثل "حرب فيتنام" في عهد الرئيس ليندون جونسون، أو فضائح سياسية مثل "ووتر جيت" في فترة حكم الرئيس ريتشارد نيكسون، أو ربما فضائح أخلاقية مثل فضيحة "مونيكا لوينسكي" أثناء تولي الرئيس بيل كلينتون الرئاسة، وغيرها من الأمثلة التي لا حصر لها، إلّا أنَّ الرئيس الحالي دونالد ترامب، استطاع أن يجمع بين الفضائح السياسية والأخلاقية والهزائم العسكرية في آنٍ واحدٍ؛ فهو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي اقتيد إلى مكتب التحقيقات الفيدرالية "إف بي آي" وفُتح له ملف إجرامي، وتلقى هزيمة انتخابية نكراء أمام الديمقراطي جو بايدن، كما حرَّض ترامب على حرب أهلية عندما دعا لاحتلال الكونجرس، بالتوازي مع خروج مُؤيديه حاملين الأسلحة اعتراضًا على هزيمته المُخجلة في الانتخابات. الرئيس دونالد ترامب تورَّط في فضائح أخلاقية عُرضت أمام المحاكم الأمريكية؛ منها دفع رشوة لشراء صمت امرأة اتهمته بـ"الاعتداء الجنسي" عليها. ولعلَّ أسوأ الفضائح التي تورط فيها الرئيس ترامب، فضيحة "ملفات إبستين" صاحب "جزيرة الشيطان" بحسب توصيف عددٍ من وسائل الإعلام. وأخيرًا فضائح تربُّح أبنائه من القرارات المُتعلقة بالهدنة في إيران والتلاعب بالبورصة وجني أرباح مليارية من صفقات مشبوهة اعتمدت على تسريب معلومات من داخل البيت الأبيض، وهي قضية محل تحقيق الآن في الهيئات المالية الأمريكية.

لكن الحقيقة أنَّ الهزيمة العسكرية/ السياسية النكراء التي تعرَّض لها ترامب إثر عدوان الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تمثل أشد الهزائم مرارةً في تاريخ أمريكا؛ فالرئيس ترامب حاول إظهار فرط القوة الأمريكية بعد اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وسرقة النفط الفنزويلي والسيطرة عليه؛ حيث سعى ترامب إلى إسقاط النظام في إيران، ظنًا منه أنَّ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وقادة الجيش والحرس الثوري، سيتسبب في سقوط النظام من الداخل، لكنَّ ظنه قد خاب، وتلقى أول صفعة من الشعب الإيراني الذي اتحد خلف قيادته، مهما كان قدر الاختلاف معها، إلّا أنَّ الشعوب صاحبة الحضارات العريقة تستطيع أن تُميِّز تمامًا بين الخصم الداخلي والعدو الخارجي؛ فالأول يُمكن التعامل معه سياسيًا وشعبيًا، أما الخارجي فلا تعامل معه مطلقًا حتى لو كان مُقابل التخلص من الخصم الداخلي.

فَشَلَ ترامب ومن خلفه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في تحقيق أهدافهما المُعلنة والتي تمثلت في إسقاط النظام والاستيلاء على النفط الإيراني (لا سيما بعد القصف العنيف على جزيرة خارج النفطية) والسيطرة على اليورانيوم المخصب وتدمير برنامج الصواريخ الباليستية؛ إذ أظهر الإيرانيون صمودًا سيسجله التاريخ، وتحطمت إرادات ترامب ونتنياهو أمام صلابة الموقف الإيراني شعبيًا ورسميًا، ووجد الأمريكيون ومن ورائهم الصهاينة، أنفسهم أمام نِدٍ عنيدٍ وصلب؛ حيث لم تتوقف الصواريخ الإيرانية على مدن الاحتلال وألحقت بها الخسائر الفادحة، وشاهدنا لأوَّل مرة هجمات على مقرات المخابرات والجيش ورئاسة الوزراء ومدينة ديمونة التي تضم المفاعل النووي، وغيرها.

ومع تعمُّق الهزيمة السياسية/ العسكرية، وفشل سياسات الوعيد والمُهَل الزمنية، تلقى ترامب صفعة عنيفة من المُفاوض الإيراني "صانع السجّاد"، الصبور الذي اجتاز لُعبة عض الأصابع بنجاح؛ حيث صرخ ترامب أولًا، وتراجع عن وعيده الزائف بـ"تدمير حضارة بأكملها"، ليُقرر بعدها تمديد الهدنة إلى أجل غير مُسمى، ليبدأ الإيراني في فرض شروطه لإنهاء الحرب، مُتمسكًا بالنقاط العشرة التي أعلنها في بداية المفاوضات، وأنَّه لا استسلام أبدًا أمام عدو مُتغطرس.

لا شك أنَّ هذه الحرب العبثية التي قادها ترامب ونتنياهو، تسببت في أضرار جسيمة في دول الخليج، سياسيًا واقتصاديًا، كما إن إغلاق مضيق هرمز والحصار الأمريكي للمنطقة، أسفرا عن تداعيات اقتصادية عالمية، ليس أقلها القفزة الكبيرة في أسعار النفط، وارتفاع مُؤشر التضخم العالمي، نتيجة زيادة أسعار الغذاء والوقود، وارتفاع تكلفة الشحن البحري بصورة غير مسبوقة، وتكدس السفن داخل الخليج العربي وخارجها، في بحر عُمان وبحر العرب.

هذه الخسائر الاقتصادية وبالتوازي مع التطورات الجيوسياسية في المنطقة، تضع الجميع أمام تحدٍ كبير، وهو تحدي التَّرقب.. ترقب العاصفة، فما تشهده مفاوضات إنهاء الحرب من شد وجذب وإخفاقات متتالية في التوصل لاتفاق دائم، يضع المنطقة والعالم على حافة الهاوية، في ظل حالة عدم اليقين والضبابية المُحيطة بالمشهد؛ سواء من الناحية السياسية/ العسكرية؛ حيث يُؤكد كل طرف استعداده لاستئناف القتال، أو من الناحية الاقتصادية؛ حيث استمرار تعطُّل 30% من إمدادات النفط العالمية و25% من إمدادات الغاز العالمية عبر مضيق هرمز، والأشد ضراوة من ذلك، تعطُّل إمدادات اليوريا والسماد، وهما عنصران رئيسيان في تحقيق الأمن الغذائي العالمي، ما دفع منظمات دولية لإطلاق جرس إنذار بشأن سلامة إمدادات الغذاء واحتمالية شح المحاصيل إذا ما استمرت هذه التوترات. أضف إلى ذلك، بدء العد التنازلي لنفاد وقود الطائرات في أوروبا؛ إذ لجأت شركات طيران لإلغاء وتقليص عدد من الرحلات، فيما تُشير التوقعات إلى أن المخزون قد يكفي حتى نهاية مايو في أفضل تقدير.

هنا يتكشف للجميع أن ترامب ونتنياهو قادا الاقتصاد العالمي لحافة الهاوية، بسبب مغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب، وتسببا في واحدة من أعنف الأزمات العالمية، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ما يضع أمام المجتمع الدولي مسؤولية إنهاء هذا العبث، وإلزام الإدارة الأمريكية بالتفاوض الإيجابي مع إيران، بما يحترم سيادتها وحقوقها المشروعة، وبما يضمن رفع العقوبات عنها. وفي المُقابل، على إيران منح كافة الضمانات الكفيلة بتأكيد التزامها بحسن الجوار مع دول المنطقة، وعدم التَّدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأن يكون التعاون والشراكة هما الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين إيران ومختلف الدول.

ويبقى القول.. إنَّ العاصفة المُرتقبة إذا جاءت، فستُلحق أضرارًا غير مسبوقة بدول المنطقة والعالم، وستنهار دول وتفكك أخرى؛ الأمر الذي يفرض على الجميع الإسراع من أجل خفض التصعيد والتوصل إلى اتفاق يضمن السلام والاستقرار، ويُحافظ على أمن الطاقة والملاحة البحرية، ويضمن للدول حقها في التنمية والازدهار بعيدًا عن نيران الحروب التي عندما تحرق لا تُبقي ولا تذر!

الأكثر قراءة

z