لماذا تُستهدف عُمان كلما اختارت الحكمة؟

 

 

حمد الحضرمي **

 

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتصاعد فيه الأزمات، لم تعد المعركة تُدار في الميدان فقط، بل عبر الروايات والشائعات الكاذبة أيضًا. وفي خضم هذا الضجيج، طالت بلادنا الحبيبة عُمان موجة من الاتهامات والشائعات عبر بعض المنصات، التي تحاول تصويرها وكأنها طرف منحاز في صراعات إقليمية معقدة.

وهذه الاتهامات لا تعكس الواقع، بقدر ما تكشف ضيق البعض من سياسة لا تُجاري الضجيج، ولا تنجر خلف الانفعالات، في وقتٍ يعرف فيه القاصي والداني أن النهج العُماني لم يكن يومًا قائمًا على الاصطفاف والتصعيد، ولا ساحة لتصفية الحسابات، بل كانت-ولا تزال-صوتًا للعقل، وجسرًا للحوار، وحريصة على استقرار المنطقة وأمن شعوبها. 

وفي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، يصبح من الضروري التمييز بين الحقائق، وبين الروايات التي تُبنى بلا دليل. فالزجّ باسم عُمان في هذه الصراعات لا يخدم الحقيقة، بل يضر بالاستقرار الإقليمي، ويغذي الانقسام في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التهدئة لا التأجيج.

كما أن الادعاءات بوقوف عُمان مع الغير ضد أشقائها في الخليج، يتجاهل عمق العلاقات التاريخية، والمصالح المشتركة، والروابط الأخوية التي تجمع شعوب الخليج، والتي لا يمكن اختزالها في مزاعم عابرة أو حملات عاطفية. والحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن عُمان كانت-عبر تاريخها-في صف أشقائها الخليجيين والعرب، حاضرة في أوقات الشدة، متضامنة معهم، ومدافعة عن استقرارهم وحقوقهم.

إنَّ التاريخ يشهد على مواقف عُمان النبيلة والشجاعة، التي لم تُبْنَ على الشعارات، بل على أفعالٍ راسخة، ظهرت في المواقف الصعبة، حين كانت الحاجة إلى الحكمة أكثر من الحاجة إلى الصوت العالي. فعُمان تسعى دائمًا إلى حفظ الاستقرار، وتعزيز وحدة الصف، بعيدًا عن الانقسامات أو الاصطفافات الحادة.

واختارت عُمان أن تسلك طريقًا قد لا يُرضي البعض، لكنه الطريق الذي يحفظ الأرواح ويمنع التصعيد، طريق الدبلوماسية والحوار، وتقريب وجهات النظر؛ فالحكمة العُمانية لم تكن يومًا ضعفًا، بل كانت- ولا تزال- قوة هادئة، تفتح الأبواب حين تُغلق، وتقرّب المسافات حين تتسع الفجوات.

ومن هنا، فإن استهداف عُمان ليس لأن موقفها غامض، بل لأنه واضح وثابت، لا يتبدل مع الضغوط، ولا ينحرف مع الحملات. إن الدفاع عن عُمان ليس ترفًا، بل واجب علينا، لكن هذا الدفاع لا يقوم على الانفعال؛ بل على الحقائق، فعُمان تنتهج سياسة متوازنة قائمة على الحوار، وترفض الانخراط في محاور الصراع، وتعمل على تجنيب المنطقة مزيدًا من التوتر، وتقف مع أشقائها، دون أن تفقد استقلال قرارها، وفي المقابل، من حقها أن ترفض أي محاولات لتشويه صورتها أو تحميلها ما لا تتحمله.

إن مسؤولية الكلمة اليوم أكبر من أي وقت مضى، ففي زمن الأزمات، قد تُشعل الشائعة ما لا تُطفئه الوقائع. إن عُمان لا تحتاج إلى من يرفع صوتها، لأن مواقفها هي التي تتحدث، وهي ليست دولة تُقاد بالانفعال، ولا تُستدرج إلى ضجيج اللحظة، بل دولة تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تحسم الأمر بحكمة وبصيرة.

إننا في زمنٍ تختلط فيه الحقائق، وتُصنع فيه الروايات، وعُمان ثابتة لا تتبدل، واضحة لا تتلوّن، في زمنٍ تختلط فيه الحقائق، وتُصنع فيه الروايات والشائعات المضللة.

عُمان لا تُعرف بما يُقال عنها، بل بما فعلته، وما تفعله، وما ستظل عليه باقية. فمن أراد أن يفهمها، فليقرأ تاريخها، ولا ينصت إلى الشائعات.

هذه هي عُمان، ثبات لا يُستفز، وحكمة لا تُشترى، وموقف لا يُملى عليه، وواحة للمحبة والصداقة والسلام.

** محامٍ

الأكثر قراءة

z