قيدٌ بلا سلاسل

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

الإدمان- بمختلف أشكاله- (لا بشكل واحد ولا عادة واحدة إنما نقصد به كل إدمان يدمنه الإنسان في حياته) فهو ليس مجرد عادة سيئة، إنما قيد خفي يخطف من الإنسان وقته وإرادته ويجعله أسيرًا لما اعتاد عليه مهما كانت نتائجه مدمرة، ولعل أصعب ما يواجهه المرء عند اتخاذ قرار الإقلاع عن الإدمان هو الفراغ الذي يخلفه وراءه، إذ إنَّ السلوك الذي كان يملأ ساعات يومه ويستحوذ على تفكيره يترك بعد غيابه مساحة فارغة تتسرب إليها الأفكار والذكريات، هذه المساحة إن لم تُدر بوعي فإنها قد تتحول إلى فخّ يُعيد الإنسان إلى نقطة البداية.

حين يُقلع المرء عن عادة أدمنها تبدأ ذاكرته في استدعاء صورها في لحظات السكون، قد يجد نفسه يتذكر تفاصيل صغيرة كان يظن أنه نسيها، هنا يتسلل الحنين المزيّف وتبدأ المعركة الحقيقية "معركة العقل ضد الفراغ"، فالعقل بطبيعته لا يحتمل الفراغ وإن لم يُشغل بما ينفع شُغل بما يضر، ولهذا كان أول تحدٍّ أمام من قرر التحرر من الإدمان هو أن يُسيطر على فراغه قبل أن يسيطر الفراغ عليه، ولو سألنا ما هي أول خطوة نحو الانتصار؟

الانتصار لا يكون بمجرد ترك السلوك المُدمن، بل في القدرة على بناء بديل نافع يحل مكانه من يملأ وقته بالقراءة وبالعمل وبالعبادة وبالرياضة، أو حتى بالأنشطة البسيطة المفيدة يضع بينه وبين الإدمان حائطًا نفسيًا يمنع العودة، وهذا هو جوهر الخطوة الأولى نحو النصر "أن تدرك أن الإقلاع ليس فراغًا إنما فرصة لإعادة البناء".

الفراغ سلاح ذو حدين، الفراغ في ذاته لا يمكن أن يكون شرًا إذا جرى استغلاله بطريقة صحيحة لأنه في الحقيقة مجال مفتوح يمكن أن يُعمَّر بما هو خير أو بما هو شر، ساعة واحدة يقضيها الإنسان في ذكر الله أو في طلب العلم، قد تفتح له أبواب سعادة وطمأنينة لا حدود لها، وفي المُقابل نفس الساعة إذا تُركت خالية ملأها الشيطان بالوساوس والهوى فتصبح معبرًا للانتكاس والعودة إلى العادة القديمة، ومن هنا جاءت الحكمة "الفراغ إن لم يُعمر بالذكر، عمره الشيطان بالهوى".

والذكر لا نقصد به مُجرد كلمات تُقال باللسان وتكرر وإنما هو حضور القلب مع الله وهو الطريق الأمثل لحماية النفس من الانجراف وراء الوساوس، فالإنسان حين يملأ وقته بذكر الله يجد طمأنينة تغنيه عن كثير مما كان يلجأ إليه من عادات لإرضاء نفسه، في لحظة الذكر يكتشف المرء أن قلبه أقوى مما يظن وأنه ليس بحاجة إلى قيد الإدمان ليشعر بالراحة أو السكينة.

ومن أسرار النجاح في التخلص من أي إدمان بناء عادات جديدة بديلة، فالمكان الذي كان يشغله السلوك المدمن لا يمكن أن يظل فارغًا، من يترك عادة سيئة يجب أن يملأ مكانها بعادة حسنة، الرياضة مثلًا تمنح الجسد قوة، والقراءة تنمّي الفكر، والعمل التطوعي يفتح أبواب العطاء، والتأمل يقوي الروح، كل هذه بدائل تصنع شبكة دعم داخلية تجعل العودة للإدمان أصعب فأصعب.

والإقلاع عن الإدمان ليس قرارًا لحظيًا فهو في الحقيقة رحلة تتطلب صبرًا طويلًا، قد تهاجم الأفكار المدمن بين حين وآخر وقد تشتد الرغبة أحيانًا لكن المثابرة على ملء الفراغ بما ينفع تجعله أقوى مع مرور الوقت.

النجاح لا يأتي من يوم أو أسبوع، ولكننا نجده من تراكم الانتصارات الصغيرة، وكل لحظة يتغلب فيها الإنسان على رغبته هي انتصار يضاف إلى رصيده.

ونجد بأن هناك معركة داخلية جديرة بالاحترام، فالإقلاع عن الإدمان معركة داخلية تستحق الاحترام إذ إنه ليس مجرد تخلي عن عادة اعتاد عليها الإنسان، وأعظم سلاح في هذه المعركة هو إدارة الفراغ. فإذا استطاع الإنسان أن يجعل من فراغه مساحة للنمو والارتقاء فقد وضع قدميه على أول طريق التحرر، أما إذا تركه خاليًا فإنَّ الشيطان سيملأه بالهوى ليعيده إلى القيود من جديد.

هكذا يصبح ملء الفراغ بالذكر والعمل النافع من الأمور المهمة وضرورة وجودية لحماية النفس وصونها وليس مجرد خيار، فالإدمان يقيّد بينما الذكر والوعي يحرران، ومن يتذوق طعم الحرية بعد الإدمان يدرك أن كل جهد بذله في مقاومة الفراغ لم يذهب سدى؛ بل كان الخطوة الأولى نحو حياة أكثر صفاءً ونقاءً.

الأكثر قراءة

z