خالد بن أحمد العامري
شهدت منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة نقاشات متزايدة حول أداء الموانئ العُمانية، في ظل التطورات الإقليمية وما رافقها من انعكاسات على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويعكس هذا الحراك المجتمعي، رغم ما قد يشوبه من مبالغة أو نقص في المعطيات، إدراكًا متناميًا لأهمية قطاع الموانئ والملاحة بوصفه أحد أبرز محركات الاقتصاد الوطني، ويؤكد أن هذا القطاع لم يعد ملفًا تقنيًا محدودًا؛ بل قضية اقتصادية عامة ترتبط مباشرة بحركة التجارة والتنمية في البلاد. وبرز في هذه النقاشات البُعد الاستراتيجي للموانئ العُمانية، باعتبارها تطل على بحار مفتوحة تُسهل وصول السفن بمختلف أحجامها وأنواعها بكل يُسر. كما أن وجودها خارج نطاق مياه الخليج العربي ومضيق هرمز يُعزِّز من أهميتها، لما يوفره ذلك من مرونة في الحركة البحرية بعيدًا عن نقاط الاختناق.
وفي هذا الإطار، أشار عدد من أعضاء مجلس الشورى خلال مناقشاتهم مع معالي وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إلى أهمية تعزيز التكامل بين الموانئ والمناطق الحرة والبنية الأساسية، وتوحيد الجهود التشغيلية، بما يضمن تحقيق الاستفادة القصوى من الاستثمارات القائمة.
وتضع رؤية "عُمان 2040" قطاع الموانئ في صميم توجهات التنويع الاقتصادي، عبر تحويله إلى رافدٍ أساسي للاقتصاد الوطني، قادرٍ على المنافسة دوليًا وإقليميًا، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، ورفع القدرة التصديرية والاستيرادية للسلطنة. وقد ركزت الرؤية على تطوير البنية الأساسية، وتعزيز الترابط اللوجستي بين الموانئ العُمانية، ورفع كفاءة التشغيل بما يواكب التحولات المتسارعة في التجارة العالمية.
وتشير قراءة الواقع إلى أن التحدي الأعمق لا يرتبط بالبنية التحتية للموانئ بقدر ما يتعلق بهيكل الإدارة وصناعة القرار؛ فامتلاك موانئ متطورة وحده لا يكفي لتحقيق العوائد الاقتصادية المستهدفة، ما لم تكن هناك منظومة مؤسسية متكاملة قادرة على إدارة الأصول بكفاءة، وربطها بشكل مباشر بالاقتصاد الوطني.
ولتعظيم العائد الاقتصادي للموانئ العُمانية وتعزيز دورها في التنمية الوطنية، لا يكفي الاعتماد على موقعها الاستراتيجي المطل على بحرين مفتوحين على المحيط الهندي، ما لم يُترجَم ذلك إلى منظومة متكاملة للاستيراد والتصدير؛ فاستمرار الموانئ في أداء دور العبور فقط سيُبقي السوق العُماني معتمدًا على أسواق الدول المجاورة، ويحد من تحقيق القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
وقد انعكست آثار هذا الخلل بشكل مباشر على السوق المحلي، من خلال ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومواد البناء وغيرها من السلع، وهو ما تناولنه في مقالنا السابق بعنوان «موجة ارتفاع الأسعار تثقل كاهل المواطن»، بما يؤكد الارتباط الوثيق بين كفاءة المنظومة اللوجستية واستقرار الأسواق.
وتبرز في السياق ذاته دعوات متزايدة لإعادة النظر في هيكلة قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية، في ظل تعدد الجهات المشرفة عليه. ورغم ما يوفره هذا التعدد من أطر تنظيمية، إلا أنه لا يواكب متطلبات المنافسة الإقليمية التي تعتمد على سرعة القرار وتكامل المنظومة. في قطاع بالغ الحساسية كقطاع الموانئ والملاحة البحرية.
وبين طموحات رؤية "عُمان 2040" وواقع التحديات التشغيلية، يبرز تساؤل حول مدى الحاجة إلى الانتقال نحو نموذج أكثر تكاملًا في إدارة القطاع. فتعزيز وحدة القرار لم يعد خيارًا تنظيميًا فحسب، بل يمثل توجهًا استراتيجيًا لضمان تعظيم العائد الاقتصادي الوطني ومنع تسرب القيمة المضافة إلى خارج الاقتصاد المحلي.
ومن هذا المنطلق، تُطرَح الحاجة إلى إنشاء جهة تنظيمية موحدة تحت مسمى "هيئة الموانئ والملاحة البحرية"، على غرار هيئة الطيران المدني، تتولى قيادة القطاع برؤية متكاملة، وتعمل على توحيد السياسات، ورفع كفاءة التشغيل، وتعزيز التنافسية؛ بما يضمن تحويل الموانئ العُمانية إلى منصات لصناعة القيمة الاقتصادية، لا مجرد نقاط عبور في سلاسل الإمداد العالمية.
