دول الخليج محمية بقدرة ربها وقوة اقتصادها

 

 

 

 

د. أحمد بن علي العمري

 

منذ بداية الألفية الثالثة الميلادية لم ينتصر جيش على جيش آخر، خاصة وإن كان هذا الجيش غازيًا ومعتديًا، وقد أثبتت الأيام والدهور والعصور أن الاقتصاد هو عصب الدول وقوتها وهيمنتها، وليس بمقدار ما تملكه من ذخائر وأسلحة ومعدات، حتى ولو امتلكت جميع الأسلحة المتطورة من جميع الدول التي تنتجها في العالم.

لقد تسابقت دول الخليج في صرف التريليونات من الدولارات لاقتناء الأسلحة، والتي ظهر مؤخرًا أنها تكاد تكون شبه وهمية وغير مجدية.

وعندما جدَّ الجد وجدنا أن أمريكا تبذل قصارى جهدها لحماية إسرائيل، ولم تهتم أبدًا بحمايتنا أو حتى قواعدها في دول خليجية؛ حيث وضعت أمريكا دول الخليج في الكفة الطافية ووضعت إسرائيل وحدها في الكفة الراجحة، وهذا ما ظهر جليًا للعيان في الحرب الثانية على إيران التي قادها ترامب وصديقه نتنياهو، وبقيت دول الخليج في الواجهة.

لقد صدَّق البعض الأمريكان عندما قالوا إن لدى العراق أسلحة دمار شامل ووقفوا معهم ضد بلد عربي إسلامي، والنتيجة بعد كل هذه السنوات العجاف والتجارب الدامغة والمريرة، تبيّن أن العراق سُلِّم بمساعدة الأمريكان على طبق من ذهب لإيران التي يُعلن البعض لها العداء اليوم.

ومن هي إيران؟ أليست دولة إسلامية أيضًا وجارة، كما أنها مرتبطة معنا منذ قدم التاريخ بحكم الجغرافيا، ولديها عندنا أنساب ووشائج اجتماعية قبل أن تنشأ أمريكا في العالم أو حتى تُزرع إسرائيل في منطقتنا.

إن المحللين يقولون إنَّ هذه بروفة لحرب عالمية ثالثة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية وربما الصين وتايوان… فماذا يجب علينا فعله؟! 

أغلبية الجامعات في العالم تدرس تخصص (سياسة واقتصاد) معًا، أي أن السياسة مرتبطة بالاقتصاد ومتشابكة معه، والحقيقة أن الاقتصاد هو الذي يدير السياسة والسياسة هي التي تفجر الحروب وتديرها، وعليه فإنَّ الاقتصاد هو العامل الرئيسي والفاعل في المنظومة العالمية قاطبة.

ونحن في الخليج لدينا الاقتصاد؛ إذ تملك دول الخليج خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز، وما يعادل 39 من السماد الزراعي العالمي، بالإضافة إلى الكابلات العالمية والمعلوماتية التي تمر بخليجنا، فلماذا لا نركز على اقتصادنا ونعتبره ذخرنا وذخيرتنا للزمن ونتسالم مع الكل ونبتعد عن الصدامات والمواجهات التي لم ينتج عنها سوى الويل والدمار والخراب. ولننظر إلى دولة قطر الشقيقة الصغيرة بحجمها نسبيًا (الكبيرة بمقامها)، لقد اعتمدت على اقتصادها لتفرض وجودها إقليميًا وآسيويًا؛ بل وعالميًا، وليس أدل على هذا من قيامها بتنظيم كأس العالم الأخيرة منفردة ونجحت نجاحًا باهرًا أذهل الجميع. فلماذا لا نُشكل نحن معًا في الخليج قوة اقتصادية موحدة نفرض بها كياننا ووجودنا العالمي. لقد وصلت الخصومات حتى بيننا وسرعان ما عرفنا مغزاها وتدبيرها ومن هو السبب فيها.

إذن لماذا نربط أنفسنا بالشرق والغرب ونحن نعلم أنهم لا يريدون منَّا سوى مصالحهم فقط.

فأمريكا رئيسها يُنتخب كل أربعة أعوام، وكل رئيس في العادة يأتي يناقض من سبقه، بل وكل حزب له رؤيته وسياساته ونظرته، فما بالكم بالرئيس دونالد ترامب الذي يمكن اعتباره كسحابة في السماء، لا أحد يعرف أين تمطر، وإذا أمطرت لا أحد يعرف نوع مطرها، هل هو رذاذ أو مطر غزير أو حتى سقيع؛ فالرجل متغير المزاج ومتعدد التوجهات، ولا يوجد في العالم ولا حتى حزبه والمقربين منه يمكن أن يتنبأوا بما ينويه أو حتى ما يمكن أن يقوله، وهو الذي يقول اليوم كلامًا ويعود غدًا ليأتي بما هو مُخالف ومتناقض معه تمامًا.

من جانب آخر، يتوجب على دول الخليج أن تودع أموالها فيما بينها أي في المصارف الخليجية حتى لا تتعرض للتجميد من الشرق أو الغرب، وهي وسيلة حديثة مستخدمة للنصب الدولي الواضح والصريح.

الآن ونحن في هذا الوضع المقلق، فإنني لا أعتقد أنَّ أمريكا تريد استمرار الحرب نتيجة الضغوط الداخلية بأن الحرب ليست حربها وقد كلفتها وكلفت المواطن الأمريكي الكثير، وبالتأكيد فإنَّ إيران لا تريد استمرار الحرب نظرًا لما تكبدته بالإضافة للحصار الاقتصادي السابق، وأيضًا الضغط الصيني لتضرر اقتصادها، ولا حتى الشوكة الخبيثة إسرائيل لأن مواطنيها ملّوا الملاجئ وإن كانت تريد أن تظهر أو حتى توحي بعكس ذلك.

وبقينا نحن وخليجنا الواحد الذي أتمنى أن تزيد وحدته قوة ومتانة.

لقد اقترح السلطان قابوس- طيب الله ثراه- ومن فقدناهم من القادة إنشاء قوة خليجية مكتملة العدة والعتاد، ولكن للأسف لم يُستجب له حينها، ولو كان ذلك تم لكنا اليوم أكثر قوة وبأسًا.

المهم علينا أن نفكر بأنفسنا وما يهمنا وما هو في صالح منطقتنا وحدنا وبأنفسنا، ونكون تكتلًا اقتصاديًا قويًا، ولا بأس من التعامل بروح الفريق الواحد مع دول الإقليم المهمة الأخرى كتركيا وإيران وباكستان، ولا بأس أن ننزع الهند من الحضن الإسرائيلي، ولو نتجه شرقًا فهناك الصين العملاقة واليابان وكوريا، مع الحفاظ على خط التواصل مع روسيا، ومن الطيب التعامل مع أوروبا وحتى أمريكا، ولكن من منظور الند للند والمصلحة بالمصلحة.

وبإذن رب العالمين دول الخليج محمية بقدرة ربها وقوة اقتصادها لو قدرت تحرر نفسها بنفسها من أي قيود أو تحكمات خارجية.

حفظ الله منطقتنا وأدام عز خليجنا، والله لا يغير علينا، وحفظ ربنا لنا نعمة الأمن والأمان والاستقرار الدائم.

الأكثر قراءة

z