حسين الراوي
بعد قراءتي لرواية «رائحة البحر» لطالب الرفاعي (2023)، شدّني إلى «دوخي.. تقاسيم الصبا» بدافع المقارنة النقدية. غير أن هذه الرواية كشفت منذ صفحاتها الأولى عن نضج سردي أكثر إحكاماً، وبنية فنية أوعى بتعقيدات الشخصية والذاكرة. لم أجد نفسي أمام سيرة فنية فحسب، بل أمام نص يستحضر تجربة إنسانية وثقافية تتجاوز حدود الفرد إلى سياق كويتي أوسع. وهكذا تحولت القراءة من فضول مقارن إلى تأمل نقدي في علاقة الصوت بالذاكرة، والفن بالهوية.
التنويه المنهجي
لا تنطلق هذه القراءة من تأويل خارجي فحسب، بل تستند إلى ثلاثة أسئلة نقدية محددة أرسلتها إلى الأستاذ طالب الرفاعي، وقد تفضّل بالإجابة عليها مشكورًا. دمجتُ الأسئلة والأجوبة في المتن كمادة تفسيرية داخلية تضيء بنية الرواية من الداخل، دون أن تصادر حق القراءة المستقلة.
كما لاقت الرواية (صدرت 2025) اهتمامًا نقديًا مبكرًا متنوعًا: احتفاء بتوثيقها الثقافي والتراثي في: «الشرق الأوسط»، و«القبس»، و«العربي الجديد»، و«مجلة نزوى»، و«الراي»، و«القدس العربي»، مع تحفظات لدى بعض النقاد. وعموم تلك الآراء تضيف توازنًا نقديًا يصب في مصلحة تقييم رواية دوخي.. تقاسيم الصبا".
الرفاعي ومشروعه السردي
يُعد طالب الرفاعي من أبرز الأصوات الروائية في الكويت والعالم العربي، لقدرته على التقاط الهشاشة الإنسانية في لحظات الالتباس. أعماله لا ترصد الواقع فحسب، بل تفككه وتكشف طبقاته الخفية، حيث يصبح الإنسان – لا الحدث – محور السرد.
في «دوخي.. تقاسيم الصبا»، تتجاوز الرواية السيرة الفردية لتصبح وثيقة اجتماعية- ثقافية للكويت: تحولات المجتمع من زمن الغوص على اللؤلؤ وقبل النفط، إلى عصر الدولة الحديثة. هذا السياق يبرز كيف أثر اكتشاف النفط على التراث الموسيقي الشعبي (النهمة، الغناء البحري)، وكيف صار الصوت مقاومة للنسيان والتغيير السريع.
الأثر الثقافي والوطني للرواية
تأتي الرواية في زمن يتعرض فيه التراث الغنائي الكويتي- خاصة فن «النهمة» البحري الذي ورثه عوض دوخي عن والده النهّام- لخطر الاندثار مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية السريعة بعد اكتشاف النفط. يحول الرفاعي السيرة الفردية لفنان كويتي أصيل إلى وثيقة جماعية توثق انتقال الكويت من زمن «الطين والأسود والأبيض» إلى عصر العمران؛ حيث يصبح الصوت- النهمة على ظهر السفينة، ثم الأغنية الحديثة- مقاومةً للنسيان الثقافي ووسيلة للحفاظ على الهوية الخليجية الأصيلة؛ حيث يُبرز الرفاعي النهمة كغناء عمل جماعي حزين ينظم حركة البحارة ويُعبِّر عن فقرهم وخوفهم وأملهم، كما في قول يوسف (ص 46): «غناء السفن معظمه حزين…»، ثم عوض (ص 47): «البحر مصدر رزق الكويتيين الأهم…».
"عشت طفولتي أمام البحر، والبحر مخيف لي منذ الطفولة حتى هذه اللحظة، خاصة في الليل. أحب البحر جدًا، وأخاف من البحر جدًا، ولكن قدري أن أكتب عنه". وأضاف أن الحكايات القديمة التي كانت عمته ثم أبوه يرويانها له كانت دائمًا مشبعة بالوجع والانكسار والموت، إلى درجة أن البحّار يموت على سطح السفينة الخشبية فيُرمى في قاع البحر. طالب الرفاعي، من حديثه في برنامج «وجوه من الخليج».
هذا التصريح لا يُعدّ اعترافًا عابرًا، بل يكشف البنية الشعورية العميقة التي تُغذِّي عوالم الرفاعي السردية، وتتجلى بوضوح في رواية «دوخي: تقاسيم الصبا»، فالبحر هناك ليس مجرد خلفية جغرافية أو تاريخية، بل كيان حيّ يتشكّل من ثنائيات متعارضة من الحب والخوف، الجمال والموت، الملاذ والهاوية، الغناء الذي يخفف الضيق والموت الذي يتربص في الأعماق.
ومن هذا المنظور، يصبح وصف الرفاعي مجازًا بـ«صديق البحر» قراءة نقدية دقيقة، لا مبالغة عاطفية أو لقبًا تقريريًا؛ إذ يتحوّل البحر، بفعل التكرار المشحون بالعاطفة والعُمق الرمزي، إلى شخصية خفية تؤثّر في مصائر الشخصيات (وعلى رأسها عوض دوخي الذي يرث صوت أبيه النهّام ويواجه مخاوفه فوق ظهر السفينة محتميًا بالغناء من وحشة الموج) بقدر ما تؤثّر الشخصيات الظاهرة.
فمن يصادق حضورًا متكررًا بهذا الشكل، بتوتر وجودي واضح يجمع الهوية والضياع، يمكن أن يُسمّى، على سبيل الاستعارة النقدية، (صديقه). وهذا التوتر نفسه يتردد صداه في كلمات الشاعر محمد الفايز في «مذكرات بحار» (1979):
"البحرُ أجمل ما يكون
لولا شعوري بالضياع
لولا هروبي من جفاف مدينتي الظمأى
وخوفي أن أموت عريان في الأعماق
أو في بطن حوت
إني أحاذر أن أموت
لما أفكر أن لي بيتًا
ولي فيه عيال
لما أحس بأن في الدنيا جمال".
مما يعكس، بطريقة شعرية موازية، الثنائية ذاتها التي تشكّل جوهر علاقة دوخي (والرفاعي ككاتب) بالبحر: مصدر إلهام وفن، وفي الوقت نفسه هاوية تهدد بالمحو والنسيان!
وفي لحظة تأملية يرويها عوض لأخيه يوسف (ص 46)، يصف النهمة بأنها:
«غناء السفن معظمه حزين. غناء عمل ينظم حركة البحارة، ويوحّد ويبث الحماسة في حركتهم… بحارة فقراء يحاصرهم الجوع والتعب! يعيشون على الخوف والأمل، مُعلقين بين الماء والسماء».
(المتحدث: يوسف)
ثم يربط عوض النهمة بالحياة اليومية للكويتيين (ص 47): «البحر مصدر رزق الكويتيين الأهم، وأغاني العمل موجودة في كل زاوية من زوايا السفينة، وفي كل حبة رمل على الشاطئ».
(المتحدث: عوض دوخي)
هذان الاقتباسان يُبرزان النهمة كـ"غناء عمل" جماعي يُعبِّر عن الفقر والخوف والأمل في زمن الغوص، مما يعمق التوثيق الثقافي والمقاومة للنسيان دون إطالة زائدة، ويتناسب مع سياق الرواية كوثيقة اجتماعية-ثقافية.
بهذا، لا تقتصر الرواية على إحياء ذكرى «نوخذة الطرب» عوض دوخي (رحمه الله)، بل تعيد إحياء جزء أصيل من الهوية الوطنية الكويتية، خاصة في سياق احتفاء الكويت بعاصمة الثقافة العربية (2025) واستمرار الجهود لتوثيق التراث الموسيقي الشعبي. تؤكد الرواية أن التراث ليس ماضيًا جامدًا، بل نبض حي يرفض التلاشي في زمن العولمة والتحديث، ويجعل صوت دوخي مرآة لتاريخ المجتمع الكويتي والخليجي بأكمله.
شهادة أكاديمية مبكرة
أعمال الرفاعي مثّلت مواد لرسائل ماجستير في جامعات عربية وعالمية (الإمارات، تونس، مصر، فرنسا – السوربون)، ولقد سُجلت في العام 2013 في جامعة واسط بالعراق رسالة ماجستير بعنوان: «البنية السردية في روايات طالب الرفاعي»، قدمتها نهى جعفر، إشراف د. ثائر العذاري، ونوقشت بامتياز عام 2015، رغم سياسة الجامعة آنذاك التي لا تقبل أي رسالة حول شخصية على قيد الحياة، مما يؤكد مكانة الرفاعي المبكرة في الوعي النقدي.
تقاسيم الحرية ومقام الفقد
العنوان عتبة تأويلية بارعة: «تقاسيم» توحي بالارتجال الموسيقي الحر، و«الصبا» يجمع مقام الصبا الحزين والشباب الضائع. يعلن الرفاعي انحيازه للمسافة بين ذروة الإبداع وذروة الألم؛ حياة دوخي سلسلة تقاسيم موهبة اصطدمت بقدر قاسٍ.
المناخ العائلي والتمهيد الوجداني
كلمة ابن الفنان باسم عوض دوخي (ص 9–11) تؤسس مناخًا وجدانيًا يربط السرد بالإرث العائلي والتراث الخليجي. يقول فيها (مختصر):
"نوخذة الطرب.. أتقدم بجزيل الشكر للأديب طالب الرفاعي على جهده المخلص في سرد سيرة والدي الفنان عوض دوخي. والدي كان في صعود وازدهار مستمرين فنيًا وإنسانيًا، وصوته زاد حلاوة مع التقدم في العمر كما قال الشيخ جابر العلي رحمه الله. هو قطعة نادرة “أنثيك”، أبدع في إيصال أحاسيسه للمتذوق الكويتي والخليجي والعربي. عاصر ما قبل النفط، ركب السفن الشراعية، مارس النهمة، ثم واكب العمران وأصبح مطربًا في وزارة الإعلام. يستحق لقب “نوخذة الطرب”. رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.
باسم عوض دوخي”
أسئلة نقدية وإجابات مع الكاتب
من أين جاءت الفكرة؟
سألتُ الرفاعي: كيف جاءت فكرة الكتابة عن عوض دوخي؟
أجاب: «صاحبني في ثلاث مراحل: الطفولة في الفريج والتلفاز الأبيض والأسود، ثم في الدراسات العليا بأمريكا وبريطانيا حيث كان صوته يربطني بالوطن والأهل، ونهمته تبكيني».
هذا الارتباط يظهر في ذكريات الطفولة داخل النص (ص 96–97)، حيث ينشأ الصوت كامتصاص ثقافي جماعي.
الاحتضار بوصفه بنية سردية
سألتُ: لماذا بدأتَ من لحظة الاحتضار؟
أجاب: «لا حكاية بدون راوي، ولا راوي بدون مكان وزمان لحظيين. الإشكالية الأكبر هي مرضه وموته المبكر (47 عامًا)، لذا اخترتُ ثلاث ساعات ونصف تحتوي على 47 عامًا».
الزمن اللحظي (17 ديسمبر 1979) يصبح مسرحًا للذاكرة الكلية، والريح قوة درامية تفعّل الاسترجاع. في هذه اللحظة يتجلى الصراع الإنساني، كما في نداء عبد الله المحبوب: «تكلّم يا خوي، قُل أي كلمة» (ص 37) – عبارة بسيطة تحمل ثقلًا دراميًا هائلًا، تعكس اليأس أمام الموت، والعامية تضفي دفءًا عائليًا يتناقض مع برودة المرض.
كذلك صوت الأخت أم بدر: «يا حبة عيني…» (ص 44) – عبارة حميمة في لحظة يأس، تكشف طبقات الحب الأخوي، والتلميح (…) يترك فراغًا يملأه القارئ بدموعه.
ولادة الصوت من الذاكرة: «الصاحب» والرموز المتكررة
«الصاحب» (الشبح/الضمير/الصوت الداخلي) يرافق دوخي من الولادة إلى الاحتضار: شاهدًا على النجاح، ثم رفيق الموت.
سألتُ الرفاعي: هل الريح والمرض والصمت خلفيات واقعية أم رموز جوهرية؟
أجاب: «بالتأكيد الاثنان معًا. الريح شكّلت طفولته، ثم ارتبطت بالمرض، والصمت أكبر ما يخيف الفنان وأهم محرك للأغنية».
ترتبط به رموز أخرى: البحر (من رزق إلى رعب وجودي)، السيجارة (الصديق الوحيد رغم ضررها)، النهمة (من جماعي إلى فردي ثم خطر النسيان).
في ذكرى طفولية: «كنتُ في الخامسة… أبي غارق في صمته… سمَّعنا نهمة… صوته منقوع بالحزن… كأني شربت صوت أبي الحزين» (ص 46) – تداخل الزمن يخلق طبقات عاطفية، واللغة الشعرية مع العامية تحول التراث إلى بذرة تشكل الفنان.
كما في هلوسة: «صاحبي يقف صامتًا قرب الروشة… هل لكل إنسان صاحب؟» (ص 32) – “الصاحب” رمز للضمير أو الموت، والريح تضيف جوًا سرياليًا خليجيًا.
رمزية الصمت: الفراغ الذي يولد التقاسيم والعدو الذي يُسكت الروح
يتجاوز الصمت كونه نتيجة مرضية أو خلفية جوية، ليصبح بنية رمزية مركبة تجمع الرعب الوجودي للفنان والشرط الجمالي للإبداع. كما أكد الرفاعي، الصمت “أكبر ما يخيف أي فنان” لأنه يُهدد جوهر وجوده (الصوت)، لكنه “العنصر الأهم المحرك لأي أغنية”، إذ يولد التقاسيم من فراغه ويمنحها عمقًا وشجنًا.
هذا الازدواج يتجلى في لحظات الاحتضار: تخنق أم فهمي بعبرتها أمام نظرات دوخي التي تحاول القول دون صوت (ص 26)، ويصف السارد: “ساد الغرفة صمت، يبخره صوت المقرئ الشجي! ويعكره عويل الريح بصراخها في الخارج! … حوار نظرات صامت يدور بين الرجلين” (ص 29) – الصمت هنا مسرح توتر داخلي، الريح تصرخ خارجًا كقدر، والمقرئ يبخر الصمت روحيًا، لكن حوار النظرات يبقى الأقوى.
في سياق موسيقي: يقول عوض لرياض السنباطي (ص 237): “آه من حزن مقام الصبا!.. هذه تقاسيم حزينة.. هذه تقاسيم روحي.” – التقاسيم تحتاج صمتًا لترتجل، والحزن ينبع من فراغ يملأه الصوت. لكن في الاحتضار ينقلب الرمز: الصمت ينتصر، فيذوب الصوت تدريجيًا حتى يُسكت “تقاسيم الروح”.
بهذا يرتقي الصمت من رمز فردي (فقدان صوت دوخي) إلى رمز ثقافي جماعي: خطر اندثار النهمة في زمن التحديث. غير أن الرواية تقاوم: بإعادة إنتاج الصوت عبر السرد والذكريات، يحول الرفاعي الصمت إلى صدى لا ينتهي، فيصبح الأدب “تقاسيم” تملأ الفراغ وتحفظ الهوية.
الأصوات المتعددة وبنية التقاسيم
النص سيمفونية متعددة الأصوات (عوض، أمه، عبد الله المحبوب)، محاكية التقاسيم. في الوداع: «يا وليدي: قُلْ أشهد أَلَّا إله إِلَّا الله…» (ص 297) – تحول الموت إلى لحظة إيمانية وسلام.
في بداية الرحلة: «يا وليدي يا عوض والدك… ركب معي نهامًا…» (ص 91).
في ذروة النجاح: «هذه الأغنية بداية الطريق…» (ص 194).
الصوت البغيض: «عمرك قصير يا عوض!» (ص 135).
مقارنة مع «رائحة البحر»
في «رائحة البحر» (2002) يركز طالب الرفاعي على الذاكرة الشخصية والعلاقات العاطفية الحميمة، من خلال قصة حب مأساوية فردية، حيث يصبح البحر رمزًا رومانسيًا للعشق والألم والتطهر، والسرد يعتمد على القلق النفسي والشاعرية العاطفية.
أما في «دوخي.. تقاسيم الصبا» (2025)، فتتحول السيرة إلى وثيقة صوتية جماعية، يصبح فيها الصوت (النهمة والغناء البحري) أداة لاستعادة الهوية الثقافية والوطنية، والبحر كيان وجودي متعدد الطبقات (رزق وموت، حياة ونسيان)، مع بنية «تقاسيم» موسيقية متعددة الأصوات والاسترجاعات.
الفرق الجوهري:
• محور فردي-عاطفي (حب ومأساة شخصية) مقابل جماعي-ثقافي (تراث وتاريخ مجتمع).
• البحر خلفية عاطفية في الأولى، مقابل شخصية رمزية وثقافية مؤثرة في الثانية.
• الغرض: إدانة اجتماعية للظلم العاطفي في «رائحة البحر»، مقابل مقاومة النسيان الثقافي وتوثيق التراث في «دوخي».
بهذا تكمل الروايتان بعضهما: الأولى تمثل مرحلة الهشاشة الفردية، والثانية تطورًا نحو توثيق جماعي أعمق وأكثر نضجًا سرديًا.
السياق الثقافي الحالي
في 2025–2026، تشهد الكويت جهودًا مكثفة لتوثيق التراث الموسيقي الشعبي، مع احتفاء بعاصمة الثقافة العربية وترشيح الرواية ضمن القوائم الطويلة لجوائز مرموقة مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب (فرع الآداب). هذا يعزز دورها كوثيقة حية تساهم في الحفاظ على الذاكرة الجماعية أمام مخاطر النسيان.
الخاتمة.. في «دوخي.. تقاسيم الصبا» لا يموت الصوت فجأة، بل يذوب تدريجيًا في الصمت، ليترك صدىً لا ينتهي. رواية عن الفن حين يواجه جسده، وعن الذاكرة وطنًا أخيرًا ومقاومة للنسيان. في زمن التحولات، يبقى صوت عوض دوخي شاهدًا على أن التراث نبض حي. رغم بعض التحفظات، النص إنجاز فني يجمع التوثيق والتخييل ببراعة نادرة، ويستحق أن يُقرأ كواحد من أبرز الأعمال الكويتية في العقد الأخير.
