د. عبدالله باحجاج
ماذا ينبغي أن تعني لنا مثل هذه القصص:
الأولى: امرأة نمساوية من أصل مجري، تزور بلادنا للسياحة، وبمجرد أن سمعت صوت الآذان يتردد من جامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر، شعرت بشيء يهز أعماقها، ويوقظ في قلبها إحساسًا غريبًا بالسكينة. سألت بفضول عن مصدر هذا الصوت، فقيل لها إنه الأذان الذي يدعو المسلمين إلى الصلاة، وأصرت أن تذهب إلى الجامع الأكبر لترى المكان الذي يخرج منه هذا النداء.. وفيه، بدأت تسأل عن معنى الأذان، وتطرح مجموعة أسئلة عن الإسلام.. فوجدت متخصصين في مركز التعريف بالإسلام التابع للجامع الأكبر يملكون الإجابات العقلية لكل ما تطرحه، وبعد 6 أشهر دخلت الإسلام.
الثانية: امرأة روسية تزور بلادنا خصيصًا مع زوجها المصري، لإشهار إسلامها، وهما يعملان في إحدى الشركات البريطانية في لندن، وقالت "لمَّا فكرتُ في الدخول في الإسلام رأيتُ أن سلطنة عُمان أفضل دولة أوثِّق فيها إسلامي، وأُعمِّق من خلالها إيماني"، وكانت استقامة وأخلاق زوجها المهندس المصري والتزامه بدينه سببًا في إسلامها، وتضيف: "رأيتُ الإسلام حيًا في سلوكه وأخلاقه، يقوم ليلَهُ، ويؤدي كل واجباته معها، رأيته مختلفًا عن غيره في مكانه وزمانه... ولم تكتشف أنه كان يراجع القرآن الكريم في قيام ليله حتى لا ينساه، إلّا في مسقط"، ولما شرح لها الإسلام في بلادنا ازدادت عمقًا وتمسُّكًا به، وأصبح لحياتها الجديدة "معنى وغاية"، كما تقول.
القصتان تكشفان حقيقة مُهمة، وهي أن القلوب قد تُفتح بصوت الأذان أو بكلمة طيبة ومعاملة حسنة أو بخلق كريم، وأن بلادنا أصبحت ملتقى البشرية بغايتها المفقودة، وأن هويتها قد أصبحت رسالة عابرة للحدود؛ فالنمساوية قد توقفت فجأة أمام شخصية عُمانية بصحبة زوجته أثناء زيارتهما للنمسا دون سابق معرفة، لمجرد الزي العُماني التقليدي الشهير، ولم تعرف مُسبقًا الشيخ عماد بن سعيد الرواحي الذي يعمل في مكتب سماحة مُفتى عام السلطنة، ابتسمت بفرحٍ، وقالت بصوت يملؤه الامتنان "أنا أشعر بولائي وانتمائي الروحي لعُمان، وخصيصًا لجامع السلطان قابوس الأكبر"، وأضافت قائلة "إن ما وجدته في الجامع الأكبر يلامس الروح والفكر"، وقالت أيضاً إن أهل عُمان قدَّموا لها الإسلام طاهرًا نظيفًا نقيًا.. إسلام سمح متوازن، تسكنه الحكمة، ويزينه التسامح، ويقوم على الرفق بالإنسان، ويتصالح مع العالم.
وشهادتها تختصر قرونًا من الحكمة العُمانية في تقديم الإسلام بوجهه الحقيقي، وتُعبِّر في الوقت نفسه عن حمل العُمانيين المعاصرين أمانة الحكمة التاريخية؛ فالعُمانيون يحملون إلى العالم إسلامًا سمحًا مُتوازنًا، لا إكراه فيه، ولا غلو؛ فلم يحملوه بسيف أو صخب؛ بل بالحكمة وحُسن المعاملة وإعمال العقل في إقناع الآخرين، فكل من يستمع لهم- مهما كانت دياناتهم ومعتقداتهم- يشعر براحة وسكينة وطمأنينة لم يجدها قبله، وبعضهم فورًا يتمسكون به كخيار وجودي بدموع تسيل كالسيل، كعاصفة التحول في كينونتهم، واكتشافهم الحقيقة، ومن ثم ينطقون بشهادة الإسلام، والكثير من الآخرين يرجعون لبلدانهم في صراع فكري، لكنهم بعد بضعة أيام أو شهور يستسلمون للحقيقة بعد أن تكون قد تغلغلت في كينونتهم، وأحدثت تحولًا عميقًا في الروح، ويكتشف القلب في حينها معنى الطمأنينة واليقين.
كُنَّا في مقالات سابقة، ومن بينها مقال "جامع السلطان قابوس الأكبر.. قوة ناعمة لتقريب شعوب العالم"، قد عرَّفنا بدور مركز التعريف بالإسلام وبمقاربته العلمية والعقلانية في التعريف بالإسلام للسياح والزائرين الأجانب الذين يأتون لمشاهدة الجامع الأكبر كتحفةٍ معماريةٍ، وذكرنا أن مهمة التعريف تتولاها كفاءات متخصصة عُمانية بنسبة 85% كمتطوعين من الجنسين، وأغلبهم متقاعدون، ويجيدون 17 لغة عالمية.
ويُطلَق على من يقوم بمُهمة التعريف بالمركز "مُعرِّفو الإسلام" وليس دُعاة، وهذه التسمية لها دلالات عميقة، أبرزها أنها تحمل مجموعة صفات "المُفكِّر والمُصلِح والباحث"، ومهمتهم شرح الإسلام الحقيقي للآخرين من غير المُسلمين حتى يفهموه كما هو، وبناء جسور الفهم والعيش المشترك. إنهم مُعرِّفون بالإسلام يؤدون رسالة إصلاحية وحضارية للعالم من خلال جامع السلطان قابوس الأكبر ومركز التعريف بالإسلام، كما أرادها السلطان الراحل قابوس بن سعيد، وحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- أن يكون مركز إشعاع إسلامي إنساني عقلاني يبعث من مسقط للعالم كله رسائل تجمع الشعوب في عيش مشترك ومسالم، عبر فهم صحيح للإسلام الحقيقي.
يقول المفكر والباحث زاهر بن سيف المسكري- وهو أحد المُعرِّفين البارزين في المركز- إن الأسلوب المنهجي الذي يعتمده مركز التعريف بالإسلام يقوم على الحكمة قبل الجدل، وعلى الحوار الهادئ والشرح المُبسَّط والعميق؛ فالفهم يأتي بالتدرُّج، ويُجيب الحوار على مجموعة أسئلة مثل، من هو الله؟ وما هو الإسلام؟ وما هو المسلم؟ وما هو القرآن؟ ولماذا الزكاة؟ وما سبب وجودك في الحياة؟ ويوضح المسكري أن المرأة السويسرية قدمت للجامع الأكبر، وشُرِحَ لها الإسلام من خلال تلك الأسئلة، فمثلًا، شرحوا لها أن الله- جل في علاه- أنزل 104 كُتُب، تشمل: صحف شيث، وإدريس، وإبراهيم، وموسى والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن الكريم كآخرها، وهو المُهيمِن وناسخٌ لما قبله، وأن نبينا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، آخر الأنبياء والرُسُل، ومن يُؤمن بوجود الله، ينبغي أن يُؤمن بآخر الكتب وآخر الأنبياء والرسل، وهذه كبرى الحجج الدينية العقلية.
ومن خلال فريضة الزكاة مثلًا، يتم تقديم القيم الإنسانية الإسلامية؛ كالرحمة والعدالة والتكافل وكرامة الإنسان، والقضاء على الفقر. ومن دون شك، كل من يطلع على فلسفة وأهداف الزكاة في الإسلام، ويقارنها بالوضع في الغرب، سيرى فها عظمة الإسلام ومبادئه الإنسانية، وسيندهش من فترة حكم عمر بن عبدالعزيز، التي شهدت عدالة اجتماعية غير مسبوقة، حتى ذُكِرَ أن عُمَّال الزكاة كانوا يطوفون فلا يجدون فقيرًا يأخذ الزكاة. نعم سيتأمَّلون في مآلات الإنسان المُكرَّم من خالقه وفق النص القرآني الكريم، وكيف أصبح يعيش في الغرب الآن؟! بحيث أصبح الكثير يتمنى أن تكون له حقوق كالحيوان؟ وما بروز مصطلح ما يسمى بـ"الكلاب البشرية" التي يقدر عددهم في إحدى الدول الأوربية الآن بنحو 20 ألف شخص- وهم في تزايد- إلّا أفضل صور لتداعيات غياب العدالة وسيادة الظلم.
وما أحوج الإنسانية إلى معرفة الإسلام الحقيقي بعد ما تكاثرت الصور المُشوَّهة وسوء الفهم بين الشعوب، وتاهت في جهل عميق عن الحياة السعيدة في الدنيا وعن مآلات ما بعد الوجودية. ويقينًا أن العالم سيسوده الاستقرار والتعايش، وستختفي الصراعات والتوترات بين الشعوب إذا ما وصلته حقيقة الإسلام، كما هو في جوهره وقيمه ومسيرته الجامعة، لا كما ترسمه الصور المُشوَّهة والاحكام المُسبَقة. إنَّ قصص الهداية التي يُسطِّرها مركز التعريف بالإسلام في الجامع الأكبر، تؤكد أن إنسان اليوم حين تبلغه حقيقة الاسلام كما هي، يكتشف ذاته فيها، ويتمسك بها، وما النمساوية والروسية إلّا نموذجان فحسب.
وتبدو سلطنة عُمان مؤهلة للقيام بدور محوري في هذه المهمة الحضارية؛ لما تمتلكه من رصيد تاريخي في الاعتدال والتسامح، وتجربة قديمة ومتجددة عبر مركزها التعريف بالإسلام بالحكمة وحُسن المعاملة، والعُمانيون هم سفراء للأخلاق والقيم، كانوا ولا يزالون، وقد تخصصوا الآن بمهمة التعريف بالإسلام بمعظم لغات العالم، ومن مصلحة العالم استثمار تجربة بلادنا الحضارية التي نجحت فيه عبر القرون حتى وصلت الآن لتقديم الإسلام كما تقول عنه المرأة النمساوية "بصورة صافية ونقية ومتوازنة"، يحتاجها العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى.
