الاختلاف الذي لا نراه

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

ليست كل الفِرق متشابهة، حتى وإن بدت كذلك؛ ففي الفريق الواحد قد يجتمع من بدأ مسيرته قبل عقود، ومن لا يزال في بداياته، وبينهما جيلٌ تعلّم في زمنٍ مختلف، وآخر وُلد في عالمٍ رقمي بالكامل. يعملون تحت سقفٍ واحد، لكنهم لا يرون العمل بالطريقة نفسها، ولا يتوقعون من الإدارة الشيء ذاته. وهنا تحديدًا، لا تبدأ المشكلة من هذا الاختلاف؛ بل من افتراض أننا يجب أن نديرهم جميعًا بالطريقة نفسها.

فليس من السهل أن تجمع في فريقٍ واحد من يُقدّر التسلسل الوظيفي والخبرة الطويلة، مع من يبحث عن المرونة وسرعة الإنجاز، أو من يرى العمل مساحةً للتطوّر المستمر، إلى جانب من يتعامل معه كامتدادٍ طبيعي لحياته الرقمية. هذه الاختلافات لا تُضعف الفريق كما يُعتقد، بل قد تكون مصدر قوته الحقيقية… إذا أُديرت بوعي. أما حين تُهمَل، فإنها لا تبقى مجرد فروقٍ في الطباع، بل تتحول إلى فجواتٍ في الفهم، وسوءٍ في التوقعات، واحتكاكاتٍ صامتة تُضعف الفريق من الداخل.

ولهذا، لا يكمن التحدي الحقيقي في فهم كل جيل على حدة، بل في قدرة القائد على قراءة ما وراء هذا الاختلاف. فكل جيل لا يختلف فقط في أسلوبه، بل فيما يُحفّزه، وما يُشعره بالتقدير، وما يجعله يستمر أو ينسحب بهدوء. بعضهم يرى في الاستقرار قيمة، وآخر يبحث عن المعنى، وثالث يقيس النجاح بمرونته، بينما لا يقبل الرابع العمل دون وضوحٍ وسرعةٍ وتأثير. وحين يتعامل القائد مع هذه الفروق كأنها تفاصيل ثانوية، فإنه لا يخسرهم دفعةً واحدة؛ بل يخسر انتماءهم تدريجيًا، ويترك الحماس يغادر الفريق شيئًا فشيئًا.

من هنا، لا يعود الحل في فرض أسلوبٍ إداري موحّد؛ بل في بناء مرونة قيادية قادرة على التكيّف. فالقائد الناجح لا يُغيّر مبادئه، لكنه يُحسن الوصول إلى فريقه. يُحافظ على وضوح الاتجاه، ويُنوّع في أساليب التواصل، ويُدرك أن ما يُحفّز موظفًا قد لا يعني شيئًا لآخر. وبين الثبات في الرؤية، والمرونة في التطبيق، تتشكّل تلك المساحة التي يستطيع فيها الجميع أن يعملوا بطريقتهم، دون أن يخرجوا عن هدفٍ واحد.

ففي بعض المواقف، قد يحتاج أحدهم إلى تقديرٍ علني يعكس خبرته، بينما يكتفي آخر بمساحةٍ من الثقة تمنحه حرية الإنجاز. وقد يرى فريقٌ أن كثرة الاجتماعات تُبطئ العمل، في حين يراها غيرهم ضرورةً لتنظيمه. هذه التفاصيل الصغيرة -التي قد تبدو غير مهمة- هي في الواقع مفاتيح لفهم أعمق لطبيعة كل فرد. وحين يُحسن القائد التقاطها، لا يعود الاختلاف عبئًا على الأداء، بل يتحول إلى طاقةٍ تُثري الفريق، وتبني بيئةً يشعر فيها الجميع بأنهم مفهومون، لا مُجبرون.

المؤسسات لا تخسر الأجيال لأنهم مختلفون، بل لأنها تُصرّ أحيانًا على إدارتهم بالعقلية نفسها. وفي النهاية، لا تُقاس كفاءة القائد بقدرته على إدارة فريقٍ متشابه، بل بقدرته على توحيد هذا التنوع في اتجاهٍ واحد. وبين جيلٍ يعتز بتجربته، وآخر يصنع مستقبله، وثالث يبحث عن توازنه، ورابع يفرض إيقاعه السريع… يقف القائد أمام اختبارٍ حقيقي: هل يكتفي بإدارة هذا الاختلاف، أم يُحسن تحويله إلى قوة؟

 

الأكثر قراءة

z