حين تتحدث الدبلوماسية بلهجة عُمانية

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

هنا لا ندَّعي فهم السياسة؛ بل نُتقنها، ولا نتباهى بما نملكه من فهم في هذا المجال، وإنما نصمت تواضعًا.. هنا لا نملأ ساحات التواصل الاجتماعي ضجيجًا عند كل مرّة يكون فيها موقفنا فائزًا كما يفعل غيرنا؛ بل ننتقل بسرعة إلى الخطوات التالية.. هنا لا نحلم بمكان لسنا أهله، ودور ليس لنا فيه حظ، ولا نطمح للسبق ولا نسعى لتصدر المشهد في مواقف لا تزيد من مكانتنا ولا تنقصها.. هنا نمنح الرأي قيمة، ونزيد المواقف ثباتًا، ويكتسب القرار معنى عندما تصطف سلطنة عُمان بجانبه، هنا المجد من مُبتدئه إلى مُنتهاه.

رسالة مختصرة لمن أثقلت أسماعهم خطايا الغرور، فظنوا أننا في سباق معهم للصدارة، وهيهات أن نقبل التنافس، والميدان يعبر فوق آمال وأحلام الأبرياء، ويسحق أمنهم وأمانهم، فمن يملك الكرامة لا ينزلق إلى هاوية الأنا، ومن تُسيّره مبادئه وقيمه لا يقبل يومًا بما دون البذل والسعي للخير. والسلام لغة لا يتقنها إلّا الثابتون، أما المتأرجحون فلا عجب عندما تتخبط قراراتهم، ونراهم كل يوم برأي، وفي كل وادٍ يهيمون؛ فالسلام لغة الأقوياء، ونحن الأقوياء بمبادئنا وقيمنا ونهجنا وفلسفتنا وتاريخنا وثقافتنا وحضارتنا، وقبل ذلك بديننا دين السلام.

عندما شقَّت السفينة "سلطانة" عباب البحار، تحمل على ظهرها الشيخ أحمد بن النعمان الكعبي، أول مبعوث عربي إلى قارات العالم الجديد، ليستقبله الرئيس الأمريكي في نيويورك، حينها لم يكن الآخرون يعلمون ماذا يوجد خلف مُدنهم. وعندما نسجت الدولة العُمانية خيوط العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الصين والهند وبلاد فارس وأفريقيا وأوروبا والعثمانيين، كان ذلك بفضل المكانة والدبلوماسية التي تميزت بها هذه الدولة العظيمة، ومكانتها التاريخية في العالم.

الدبلوماسية العُمانية ليست وليدة اللحظة، وليست حالة عابرة؛ بل هي نتاج تاريخ طويل حافل من التفاعل والتعاطي مع العالم.. هي نتاج وجود وحضور على مر التاريخ.. هي نتاج خبرات طويلة من الأحداث التي عاصرتها هذه الأمة.. هي فلسفة القيادة العُمانية التي وازنت الأمور وعرفت كيف تقود هذه الحضارة من حقبة إلى حقبة دون أن تزج بها في أتون الحروب والصراعات والنزاعات.. هي الحكمة التي تجلَّت في استقبال رسول نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم- والدخول في هذا الدين الحنيف طوعًا.. هي قوة وصلابة الذود عن حمى الإسلام في حروب الردة.. هي الثبات في مواقف الأمة تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العربية والإسلامية.

من يعرف العُماني يُدرك أنه سياسي ودبلوماسي بطبعه؛ ففي سلطنة عُمان يتعلم الطفل السياسة في السبلة، وفي مجالسة الرجال والشيوخ الذين يكسوهم الوقار، في كل مجلس يُناقش قضيةً تجد السياسة حاضرةً، وفي كل مشكلة تجد الدبلوماسية طريقها لحلها. الدبلوماسية والسياسة نهج حياة عند العُماني الذي لا يميل للعنف والقوة لحل الخلافات؛ بل يسلك أبعد الطرق عنها، ويُدير حياته بهدوء وحكمة وصبر وطول بال. ومن زارنا يُدرك ما أقوله بكل تفاصيله، ويُدرك أن آخر ما يمكن أن يشاهده في سلطنة عُمان هو العراك والصراخ والنزاع في الطرقات.

ومع بزوغ فجر النهضة المباركة بقيادة المغفور له السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- وضع السلطان الراحل إقامة علاقات صداقة مع كافة دول العالم هدفًا رئيسًا، وقال قولته الشهيرة: "أريد أن أنظر إلى خريطة العالم ولا أجد بلدًا لا تربطه صداقة بعُمان"، وقد عمل -طيب الله ثراه- منذ اللحظة الأولى على جعل تلك الرؤية واقعًا ملموسًا، وعلى نفس النهج سار حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- الذي كرَّس جهوده لفتح آفاق جديدة من العلاقات الدولية، متخذًا من الدبلوماسية السياسية والاقتصادية نقطة ارتكاز لبناء مستقبل أفضل لعُمان.

هذا النهج جعل سلطنة عُمان من بين قلائل الدول -بل وأندرها- التي لا عداوات لها مع غيرها، وهذا ما جعلها قِبلةً للسلام وملاذًا للفُرقاء والمتصارعين، وهذا ما وضعها موضع الثقة من الجميع. وقد يبدو الأمر سهلًا عند الحديث عن تكوين علاقات دبلوماسية وصداقة، وقد يظن البعض أن هذا أمر بسيط، وهو كذلك. لكن الصعوبات تكمن في الحفاظ على هذه العلاقات في ظل المتغيرات السياسية التي يشهدها العالم، وخاصة منطقة الشرق الأوسط. لقد حافظت سلطنة عُمان على كل ذلك من خلال نهجها الثابت ومبادئها الواضحة والتزامها التام بالقوانين والتشريعات الدولية، ووضوحها في هذه المواقف، والبعد عن الدخول في صراع لا يعنيها، والاستقلال التام في قرارها، وحفظها لجوارها.

إنَّ الدبلوماسية تتحدث بلهجة عُمانية خالصة، فلا يوجد في محيطنا من حافظ على خط سيره الثابت مثلنا، ولم يعرف التاريخ الحديث حنكةً وحكمةً وبُعد نظر كالذي تتمتع به قيادتنا الرشيدة التي رأت ببصيرةٍ واعيةٍ أن لا خيرَ في الحرب، وأن السلام للأقوياء، وأن الأمن والأمان يقومان على أعمدة المبادئ والقيم والأخلاق وحُسن الجوار، فلا يعجب المُبغضون لماذا تتقاطر الوفود على مسقط لتبحث عن حلٍ لأزماتها، فهم يعلمون أنهم سوف يجدون الحل المناسب هنا، ولا عزاء للمتأرجحين.

الأكثر قراءة

z