د. أحمد بن علي العمري
في عام 2015 تم التوقيع على الاتفاق النووي وهو الخطة الشاملة المشتركة المعروفة بـ(JCPOA) بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة الأمريكية - روسيا - الصين - المملكة المتحدة - فرنسا - ألمانيا)، والذي توسطت فيه سلطنة عُمان بكل حكمة وحيادية واقتدار، ويُعتبر اتفاقًا عالميًا، وفيه تتعهد إيران بخفض أجهزة الطرد المركزي وكذلك مخزون اليورانيوم المخصب، بالإضافة إلى منح مفتشي الوكالة الدولية كامل الصلاحية للتفتيش، مقابل رفع العقوبات المتعلقة بالملف النووي، خاصة النفطية والمالية، مع بقاء بعض القيود الأخرى.
لكن وبجرة قلم وبقرار أحادي فردي محض، أتى الرئيس الأمريكي دونالد في عام 2018 ليعلن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية؛ لسبب بسيط جدًا ومباشر أنه لم يكن فيه، وكأنما هو أذكى وأفهم وأكثر يقظةً من كل هذه الدول وقادتها الذين أقروا الاتفاق؛ الأمر الذي جعل إيران تبدأ تقلص التزاماتها تدريجيًا حتى وصل تخصيب اليورانيوم عندها إلى 440 كيلو جرامًا فوق 60 بالمئة.
لقد كان ظريف معتدلًا والمرشد الأعلى حينها معتدلًا، لكن الآن ربنا يكون في العون، فلربما ينقلب السحر على الساحر.. وربما تكون جنت على نفسها براقش؟!
لقد شن الرئيس الأمريكي حربين متتاليتين على إيران في شهر يونيو من العام الماضي؛ فيما سُمي بحرب الـ12 يومًا، وهذه الحرب التي نعيش ويلاتها حاليًا متبعًا خطى بنيامين نتنياهو، وفي الوقتين اللذين كان فيهما التفاوض جاريًا وعلى أشده لعقد اتفاقية دائمة مع إيران. فهل هذا تعقّل ومنطق وعقلانية أم أنه تهور مطلق؟
لو بحثنا في الأمر لوجدنا أن الحربين جرتا بأموال خليجية بحتة، وكما يقر السيد ترمب ذاته أن المجهود الحربي الأمريكي في الحربين هو صفر العدد، ولو استمر الاتفاق الذي وُقع في عام 2015 لتم توفير هدر التريليونات ولانعدمت الاضطرابات والتقلبات والمنغصات، ولنعمت المنطقة بالأمن والهدوء والاستقرار، ولعشنا في أمن وسلام. أما وقد اتبع السيد ترمب خطوات نتنياهو الذي يعيث في المنطقة فسادًا واستهتارًا، فقد وصلنا لما وصلنا إليه من حرب ودمار وقلق وضعف اقتصادي وشماتة للأعداء والخصوم والحاقدين والحاسدين، هذا في ظل إغلاق جزئي لمضيق هرمز، فماذا لو تبعه مضيق باب المندب (لا قدر الله) فحينها - وأرجو أن لا يقع - عندها سنقول على الدنيا السلام!
فإذا كانت أمريكا بعيدة عن موقع منطقة الحرب وليست منطقتها أو حتى قارتها، ونتنياهو يهرب للأمام من حرب إلى حرب أخرى وهو لا يقدر أن يعيش بلا حرب وبدون دماء (دراكولا الشرق الأوسط)، فما هو ذنب المنطقة وشعوبها وسكانها لتكتوي بنيران الحروب والقلاقل؛ لأن أي عدوان أمريكي أو إسرائيلي يعني أن الألم سيتوزع على المنطقة بكاملها بكل ما تحمله الكلمة من معنى - أجارنا الله.
أليس هو هذا ترامب الذي ادعى أنه أوقف ثماني حروب عالمية.. فلماذا يبدأ حربًا في منطقتنا؟! أليس هو من بدّل اسم البنتاجون من وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب والقصد والنية واضحان منذ البداية؟ ثم إنه يوجد سؤال محير لدول المنطقة: لماذا تمنع دول أوروبا أمريكا من استخدام أراضيها وقواعدها للهجوم على إيران بحجة أن الناتو دفاعي وليس هجوميًا، كما أن الحرب على إيران لا تحمل أي صفة قانونية أو مبرر دولي يستند إليه، بينما تسمح دول المنطقة بذلك للهجوم على بلد جار ومسلم؟
إن أمريكا أقوى دولة في العالم وإسرائيل أقوى دولة في الشرق الأوسط كما يدّعون، ولكنهم لن ينتصروا على إيران لأن هناك قوة عقائدية أقوى وقوة ربانية أعظم. إنهم يفتخرون بالاغتيالات للقادة الإيرانيين. وهنا يجب أن يفهم الجميع بأن هؤلاء القادة يبحثون ويتوقون للشهادة، وهو المبدأ العقائدي كما ذكرت سلفًا؛ فالمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي عندما قالوا له يجب أن تنزل للملجأ، قال: وهل هذا متوفر لعامة الشعب الإيراني؟ وردوا عليه بالنفي، فرفض النزول للملجأ، والدليل استشهاد عدد من أفراد أسرته معه. وكذلك علي لاريجاني، وهو يعلم أنه الثالث على قائمة المستهدفين، كان يتجول قبلها بليلة في شوارع طهران بلا أي حراسة أو حماية. وإيران دائمًا تؤكد أن لديها بدل كل قائد من 3 إلى 7 جاهزين لاستلام المهمة.
لقد حيرنا ترامب معه؛ فمرة يقول إن مضيق هرمز لا يهمنا ولسنا مستفيدين منه، وعلى من له مصلحة أن يذهب إلى هناك، ويعود بعدها ليقول إن على إيران أن تفتح مضيق هرمز أو أن تلاقي الجحيم، فماذا لو أن إيران قالت إنها فقدت المفتاح لمضيق هرمز؟!
فهل عرفتم من هو الشرير ومن هو المكير ومن هو الغادر؟
ثم إن ترامب قال لكم أخيرًا وبكل وضوح إن تفرض أمريكا رسومًا على مضيق هرمز أفضل من أن تفرضها إيران… فماذا تنتظرون أيها القوم؟!
أليس مجديًا به أن يفرضها على قناة بنما وهي أقرب بكثير له من مضيق هرمز؟!
إن الواقع في جانب ونحن في الضفة الأخرى منه، وإنه من العجب والمستغرب أن نعيش حتى نصل لليوم الذي نرى فيه عربًا ومسلمين بل وقنوات عربية وإسلامية تشيد وتمتدح الصهاينة المجرمين على حساب عرب ومسلمين.. ولله العجب ولله الأمر من قبل ومن بعد وهو الأول والآخر.
إننا نعلم أن المملكة العربية السعودية الشقيقة عصية على أي استهداف مهما بلغ مداه، وكذلك بقية الدول الشقيقة العزيزة: دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين، اللهم احفظهم جميعًا. ولكن لماذا لا تُوقّع معاهدة عدم اعتداء مشترك مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو على الأقل تدخل في أي اتفاق دائم بين أمريكا وإيران ونعيش جميعًا في أمن وأمان بعيدًا عن الآخرين والمتربصين كما أراد الله لنا وجعلنا في جغرافية واحدة.
ولله الحمد والمنة، تم الاتفاق مؤخرًا على هدنة لمدة أسبوعين بين أمريكا وإيران (وإن شاء الله تكون دائمة ومدى الحياة)، لكن وبمجرد أن بدأت الهدنة بدأ نتنياهو يقتل المئات من اللبنانيين. قد يقول البعض - وخاصة بعض القنوات العربية وللأسف - إن حزب الله هو السبب. ألم يتوقف حزب الله بعد الاتفاقية السابقة في 2024 لمدة 15 شهرًا، فهل توقفت إسرائيل والتزمت بالمعاهدة؟ وهل دافعت الحكومة اللبنانية؟!
الغريب والعجيب أن نائب الرئيس الأمريكي يقول بكل تجرد وعدم مبالاة: هل ممكن أن تنهار الهدنة بسبب لبنان؟ وكأن الذين قتلوا وجرحوا حشرات وليسوا بشرًا، ولو المقتولين والجرحى كانوا أمريكيين أو إسرائيليين لقامت الدنيا ولم تقعد.. هذه هي قيمتنا عندهم لو كان لدينا من يفهم ويعتبر.
هذه هي الحرب الثانية الطامة المدمرة للمنطقة بأكملها التي يكون ترامب السبب فيها، وأتمنى وأرجو أن لا يكون السبب في الثالثة لأنها ستكون القاضية بلا هوادة ولا رحمة.
حفظ الله منطقتنا من كل سوء ومكروه وشملها بأمنه وأدام عليها الاستقرار والسلام.
