د. عبدالله الأشعل **
الجدل بين أمريكا وإيران وإسرائيل حول مضيق هرمز وصل إلى حد أن وضعت أمريكا شرطًا لفتح المضيق أمام السفن كافة، وألّا تحصل إيران رسومًا عليها.. فما هو الوضع القانوني للمضيق وسلطات إيران فيه؟ وما هي المرجعية القانونية التي نحكم بها في هذا الجدل؟!
سبق أن نشرنا مقالًا حول الوضع القانوني لمضيق هرمز وقلنا إن المرجعية القانونية هي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وخاصةً المواد من 37 إلى 44 التي تحكم وتحدد الوضع القانوني للممرات المائية الدولية. وقد سبقت هذه الاتفاقية اتفاقية جنيف لعام 1958، وخاصة المادة 16 التي عرّفت الممر المائي الدولي. وقد وُضِعت هذه المادة خصيصًا لحكم الأوضاع التي كانت عليها مصر بعد العدوان الثلاثي عليها عام 1956، ثم جاءت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لتلقي أضواء كاشفة على المركز القانوني للممر المائي الدولي، وخاصة المواد من 37 إلى 44، وهذه تشكل المرجعية القانونية في تحديد المركز القانوني وسلطات إيران في مضيق هرمز.
ومضيق هرمز يُعد ممرًا مائيًا دوليًا لا يجوز تقييد الملاحة فيه بقوانين إيرانية داخلية، وهذا المضيق طبيعي، خلافًا للممرات المائية الدولية الصناعية مثل قناة السويس، ولذلك لم يوضع تنظيم قانوني خاص له، وتُرِك الأمر للقانون الدولي الذي حددنا مرجعيته القانونية. والممر المائي الدولي في مضيق هرمز تملك إيران منع مرور السفن المعادية فقط، ولا تملك سلطة تحصيل رسوم مقابل المرور إلّا إذا كانت تقدم خدمات للمرور ثابتة القيمة. بعبارة أخرى، تحتاج السفينة العابرة إلى إرشاد ملاحي وإلى حماية سيادية، ويقر القانون الدولي تحصيل رسوم عن الإرشاد الملاحي دون الحماية. ولا يجوز لإيران أن تتفق مع عُمان، الشريك الثاني في المضيق، على رسوم معينة يقتسمانها، لأن الاتفاق الثنائي المناقض للقانون الدولي يبطل بذاته تطبيقًا لقاعدة في القانون الدولي أنه لا يجوز الاتفاق، أيًا كان عدد الأعضاء في الاتفاق، على انتهاك القانون الدولي. وإيران لا يجوز لها أن تحصل رسوم الملاحة إلّا في هذه الحدود، وإذا قدمت خدمات محددة للسفن، فمن حقها أن تتقاضى المقابل المادي المحدد سلفًا في تشريعات وطنية داخلية.
أما قناة السويس وقناة كيل الألمانية وقناة بنما في أمريكا اللاتينية؛ فهي ممرات مائية دولية صناعية، أي أن الإنسان هو الذي صنعها. أما ممرات الدردنيل والبوسفور في تركيا فتحكمها اتفاقية مونترو لعام 1923، ولا أساس للزعم بأن الاتفاقية المذكورة تنتهي عام 2023 أو أنها كانت لازمة مرفقة بتسويات الحرب العالمية الأولى، فلما جاءت الحرب العالمية الثانية انتهت هذه الاتفاقيات؛ فاتفاقية مونترو سارية إلى أن تقرر إنهاءها مجموعة من الدول، وليس بالضرورة التي أبرمتها.
والخلاصة أن مضيق هرمز ممر مائي دولي، تملك إيران فقط التحقق من المرور العابر وفقًا لمواد الاتفاقية، ولا يجوز لها أن تُعيق هذا المرور. وفي القانون الدولي، المياه الإقليمية والبحر الإقليمي في إيران اشترط أن يكون المرور بريئًا.
والبراءة معناها التزام السفن الأجنبية بتشريعات الصحة والمرور وغيرها من التعليمات والتشريعات التي تضعها الدولة الساحلية. فإذا ارتكبت السفينة الأجنبية ما ينتقص البراءة جاز للدولة الساحلية أن تستولي على السفينة، لكن بشرط أن تتيح لقضائها التظلم من جانب الدولة المالكة للسفينة أمام القضاء الوطني؛ لأن البحر الإقليمي يقترب من المياه الداخلية مع فارق واحد، هو أن المجتمع الدولي والدولة الساحلية يقتسمان سلطات المرور. ويجوز لإيران أن تقدم خدمات محددة للسفينة المارة في مضيق هرمز بمقابل، وإن جنحت إحدى السفن في المضيق قامت السلطات الإيرانية بقطرها وتتقاضى السلطات الإيرانية مقابلًا ماديًا لهذا القطر، ناهيك عن تقديم خدمات التزود بالوقود. ولا تتقاضى السلطات الإيرانية عن حماية السفن مقابلًا ماديًا.
مقارنة بين قناة السويس ومضيق هرمز
مضيق هرمز وقناة السويس ممرات مائية دولية، ولكن المرجعية القانونية مختلفة في الحالتين. مضيق هرمز تحكمه قواعد قانون البحار، أما قناة السويس فيتحدد مركزها القانوني باتفاقية القسطنطينية لعام 1888. والطريف أن مصر لم تكن طرفًا في هذه الاتفاقية لأن الدولة العثمانية (تركيا) كانت تحتل مصر آنذاك، وحرصت على وضع قواعد قانونية لقناة السويس حتى لا تكون القناة والمرور فيها سببًا للاحتكاك بين الدولة العثمانية والسفن الأوروبية، وخاصة السفن البريطانية والفرنسية. غير أن اتفاقية القسطنطينية ضمنت في المادة العاشرة ميزة لمصر، تعطي مصر الحق في منع السفن التابعة للدول التي في حالة حرب مع مصر أو السفن التابعة للدول المتحاربة حتى لا تحتك مع بعضها أثناء المرور. ولكن المادة الأولى والرابعة ألزمت مصر بحرية الملاحة دون تمييز لسفن جميع الدول.
وعند قيام إسرائيل، قررت مصر إعلان حالة الحرب عليها وعدم الاعتراف بها، وانسحب ذلك على المرور في قناة السويس، وظلّت إسرائيل محرومة من المرور بقرار مصري خالص اتخذه الملك فاروق عند قيام إسرائيل ليلة 15 مايو 1948، إلى أن أبرم السادات معاهدة السلام مع إسرائيل في 26 مارس 1979، واعترف السادات بإسرائيل اعترافًا مطلقًا مفتوحًا غير مقيد أو بتحفظات معينة.
قد تشترط الولايات المتحدة من إيران أن تسمح بحرية الملاحة في مضيق هرمز لجميع السفن، وتعليقي على المطلب الأمريكي في نقطتين:
النقطة الأولى: أن أمريكا تفتقر إلى الأساس القانوني للدفاع عن مصالح الدول في المجتمع الدولي.
النقطة الثانية: أن إيران من حقها أن تمنع السفن المعادية، أي السفن الأمريكية والإسرائيلية وحلفاؤهما، من المرور في المضيق تطبيقًا لحق الدفاع الشرعي في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. لكن لا يجوز لإيران أن تُحصِّل الرسوم، كما ذكرنا، وتتذرع إيران بأنها سوف تقتسم العائد من المرور مع سلطنة عُمان، وقلنا إن الاتفاق باطل ما دام مخالفًا للقانون الدولي. كما أن إيران قدمت ذريعة أخرى لتبرير حصولها على العوائد من المرور، وهي أنها جزء من التعويضات التي سوف تدفعها أمريكا لها، ولكن هذه الذريعة باطلة.
ومن ثم تسمح إيران بحرية الملاحة في المضيق في الحدود التي قدمناها، وبالذات منع السفن الإسرائيلية والأمريكية وحلفاء أمريكا وإسرائيل من المرور أصلًا بالقوة عند الاقتضاء، ولا يُعد ذلك تمييزًا من إيران في القانون الدولي.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
