د. إبراهيم بن سالم السيابي
مع فتح باب الترشح لانتخابات المجالس البلدية للفترة الرابعة، لا نقف أمام مجرد استحقاقٍ انتخابي؛ بل أمام امتدادٍ لتجربة وطنية راسخة في إشراك المواطن في صناعة القرار. فهذه المجالس، إلى جانب مجلسيْ الشورى والدولة، ورغم اختلاف اختصاصاتها وآليات تشكيلها، تلتقي في جوهرٍ واحد: تمكين المجتمع من أن يكون شريكًا في الرأي، ومساهمًا في تقييم الأداء، ومشاركًا في استشراف المستقبل.
مجلس الشورى، بصلاحياته التشريعية والرقابية، يضمن دراسة السياسات والقوانين ومتابعة تنفيذها بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن. أما المجالس البلدية، فهي الأقرب للناس، وتتعامل مباشرةً مع الخدمات المحلية، والتخطيط العمراني، والمشاريع التي تمس حياة الناس اليومية. ومن هنا تأتي أهمية أختيار الكفاءات في كل هذه المجالس؛ فالمعرفة، والقدرة على التحليل، وفهم الاحتياجات الواقعية، هي ما يحوّل هذه المؤسسات من مجرد أطر رسمية إلى أدوات فعلية للتغيير والتنمية.
قف… قبل أن ننتخب
نعم، قبل أن نصل إلى صندوق التصويت، علينا أن نسأل: ماذا يعني أن ننتخب؟ هل هو إجراء نؤديه، أم مسؤولية نُحسن حملها؟ لا يمكن لنتائج مختلفة أن تُولد من نفس طريقة التفكير؛ فإذا لم تتغير معاييرنا، فلن تتغير مخرجاتنا، مهما تغيّرت الأسماء.
قف أيها الناخب قبل أن تمنح صوتك، اسأل نفسك: هل أُحسن الاختيار فعلًا؟
إلى متى ونحن ننتخب لأن ذاك من قبيلتي او من اهلي وعشيرتي، أو لأن ذاك صاحب جاه، أو لأنه ساهم في مشروعٍ عابر؟ إلى متى نُقنع أنفسنا أن المجاملة والعلاقات يمكن أن تصنع قرارًا كبيرًا؟
بهذه الطريقة… لن يتغير شيء؛ بل سنبقى ندور في ذات الدائرة، نُعيد نفس المشهد، ونشتكي من نفس النتائج.
صوتك أمانة، وليس من الأمانة أن تمنحه لمن تعرفه، بل لمن يستحقه. فأنت لا تختار شخصًا ليمثل نفسه، بل تختار من يمثل مجتمعًا كاملًا، من يفهم احتياجات الناس، ويستطيع أن يُعبّر عنها بوعيٍ ومسؤولية.
وهنا يتجلى دور المجتمع كله؛ فنحن اليوم نعيش في زمنٍ لم تعد فيه المعرفة نادرة، ولا المعلومة صعبة الوصول.
وسائل التواصل، والانفتاح، والتجارب المتراكمة، صنعت مساحة واسعة من الوعي. ومع ذلك، ما زلنا- في كثير من الأحيان- نُمارس الاختيار بعقلية الأمس. كيف نريد أن نتقدم، ونحن لم نحسم بعد أبسط معايير الاختيار؟
كيف نتحدث عن التنمية، ونحن نُقيدها بخيارات لا تُبنى على الكفاءة؟
إن نضج المجتمعات لا يُقاس بما تملكه من معلومات، بل بكيفية اتخاذها للقرار، والانتخاب هو أحد أهم هذه القرارات.
ثم قف أيها المترشح، قبل أن تدخل هذا الطريق، واسأل نفسك بصدق: هل أنا أهلٌ له؟ هل أملك الكفاءة، والمعرفة، والقدرة على العمل؟ هل أستطيع أن أكون إضافة، أم مجرد رقم؟ هل أدرك حجم التحديات، وأفهم حدود الإمكانيات، أم أُطلق وعودًا أكبر من الواقع؟
هذه المقاعد ليست وجاهة، ولا حضورًا اجتماعيًا، ولا مكسبًا شخصيًا؛ بل هي تكليف ثقيل، ومسؤولية أمام مجتمعٍ كامل. ومن لا يدرك ذلك، فليتراجع قبل أن يُحمّل نفسه ما لا يطيق، وقبل أن يُحمّل الوطن نتائج ذلك.
لقد وصلت هذه التجربة إلى مرحلة من النضج، لم يعد مقبولًا معها أن تكون معايير الاختيار سطحية أو عاطفية.
نحن بحاجة إلى ممثلين يملكون الفهم، ويجيدون قراءة الواقع، ويعرفون حدود الإمكانيات قبل إطلاق الوعود، ويعملون بعقلٍ يُوازن بين الطموح والقدرة.
نريد من يفهم الناس… لا من يطلب أصواتهم فقط. نريد من يعمل… لا من يظهر. نريد من يُضيف… لا من يكتفي بالحضور.
في كل صوتٍ نمنحه، وفي كل اختيارٍ نتخذه، نرسم معالم مستقبل وطننا… فهل سيكون على قدر الطموح؟
وختامًا… الأوطان لا تنتظر مِنَّا عواطفنا، بل وعينا. ولا تتعثر لأنها تفتقر إلى الفرص، بل لأنها تُمنح- أحيانًا- لمن لا يُحسن استثمارها؛ فنجاح هذه التجربة يبدأ من لحظة الاختيار، لا من داخل المجالس، ويتوقف على مدى قدرتنا أن نكون مجتمعًا يُقدّم الكفاءة على المجاملة، والوطن على المصالح الضيقة.
وغير ذلك… سنبقى نُعيد الاختيار ذاته، وننتظر نتيجة مختلفة!
