عبيدلي العبيدلي **
رؤية مستقبلية للصناعات الإبداعية والابتكار الرقمي والتنويع الاقتصادي
- مستقبل الابتكار الرقمي: اندماج عميق مع الإبداع
- يزداد تداخل الصناعات الإبداعية مع التقنيات الرقمية المتقدمة (الذكاء الاصطناعي التوليدي، الواقع الممتد، Web3، سلاسل الكتل)، بحيث لا يعود ممكنا الفصل بين "القطاع الإبداعي" و"القطاع التقني": المحتوى نفسه يصبح تقنية، والتقنية تصبح جزءًا من لغة الإبداع.
- سيتركز التنافس على من يملك القدرة على تصميم منصات وأدوات إنتاج إبداعي رقمية، لا مجرد استخدامها؛ وهنا من المرجَّح أن تظهر شركات ومختبرات إقليمية تقودها فرق شابة (بينهم نساء كثيرات) تطوّر أدوات عربية/محلية لإنتاج وتوزيع المحتوى، وتقدم نماذج أعمال جديدة (اشتراكات صغيرة، اقتصاد منشئين، ملكية جماعية للمحتوى).
- مستقبل التنويع الاقتصادي: الإبداع كرافعة لا ديكور
- الخلاصة الاستشرافية ليست حكمًا نهائيًا بقدر ما هي معادلة شرطية: مستقبل الصناعات الإبداعية والابتكار الرقمي والتنويع الاقتصادي في المنطقة- والخليج خصوصًا- سيتحدد بقدر ما تنجح السياسات في معالجة ثلاثة أسئلة كبرى في آن واحد: من يملك البنية التحتية (المنصات، الاستوديوهات، صناديق التمويل)؟ من يملك المعرفة والمهارة (التعليم، التدريب، البحث والتطوير)؟ ومن يملك الحق في تعريف الاتجاهات والمعايير (السياسات، التنظيم، الخطاب الثقافي)؟ إذا بقيت الإجابة مركزة في أيدي فاعلين تقليديين، وظل الإبداع مجرد "واجهة" لاقتصاد قديم، فسيبقى الاقتصاد البرتقالي هامشًا تجميليًا في مشروع التنويع. أما إذا أُعيد توزيع هذه الأجوبة- جزئيًا على الأقل- لصالح فاعلين جدد، وفي مقدمتهم النساء والشباب، فسيتحوّل الاقتصاد البرتقالي إلى رافعة حقيقية لإعادة تشكيل نموذج النمو نفسه.
- من هذه الزاوية، يمكن تصور مسارين متقابلين خلال 10–15 سنة: مسار أول تصعد فيه الصناعات الإبداعية لتصبح مكوّنًا ثابتًا في موازنات الدول وخططها، بمساهمة ملموسة في الناتج والتشغيل، ووجود مؤشرات جندرية واضحة تضمن أن ثمرة هذا الصعود موزعة بعدالة نسبية بين النساء والرجال. ومسار ثانٍ يظل فيه الخطاب عن الإبداع والرقمنة حاضرًا بقوة في الوثائق والرؤى، لكن من دون نقلة حقيقية في بنية الاقتصاد أو في موقع المرأة ضمنه؛ أي استمرار حالة "التمثيل من دون تمكين"، حيث تُستدعى المرأة كرمز في الفعاليات والواجهات، بينما تبقى خارج دوائر القرار والملكية والربح. على مستوى التنويع، كلما اشتدت الضغوط على الاقتصادات الريعية، زادت أهمية القطاعات التي تولّد قيمة مضافة كثيفة المعرفة وقليلة الكربون، وهو ما ينطبق على الاقتصاد البرتقالي والابتكار الرقمي معًا. لذلك، من المتوقع أن تُدمج هذه القطاعات في صلب استراتيجيات التنويع، لا في هوامشها التسويقية: أرقام واضحة، مؤشرات أداء، مستهدفات تصدير وتشغيل، وربط مباشر بصناديق الاستثمار والسياسات الصناعية.
- إنْ توفرت الإرادة السياسية، واستُثمر في البنى التحتية الإبداعية والرقمية، وأُعطي الملف الجندري بعده الاقتصادي لا الاجتماعي فقط، فإن الصناعات الإبداعية والابتكار الرقمي يمكن أن يصبحا من أهم أدوات التحرر التدريجي من هشاشة الاقتصاد الريعي، وفي الوقت نفسه من أهم منصات إعادة توزيع الفرص والسلطة لصالح النساء. عندها فقط تصبح الرؤية الاستشرافية ليست توقعًا متفائلًا، بل "خطة عمل مفتوحة" يمكن قياس تقدمها عامًا بعد عام.
موقع المرأة في هذا المستقبل
في السيناريو الإيجابي المشروط الذي ترسمه الورقة، تتحول المرأة من "وجه مرئي" في الصناعات الإبداعية إلى فاعل بنيوي في سلاسل القيمة. هذا يعني أولًا توسع طبقة المبدعات والمهنيات اللواتي يعملن في وظائف إبداعية عالية المهارة (كتابة، إخراج، تصميم، تطوير ألعاب، قيادة فرق محتوى رقمي)، مع انتقال جزء متزايد منهن من الهامش الحرّ والهشّ إلى مواقع عمل أكثر استقرارًا وتنظيمًا داخل شركات ومؤسسات إبداعية كبرى. بالتوازي، تبرز طبقة أخرى من رائدات الأعمال اللواتي يملكن شركات ومنصات إبداعية صغيرة ومتوسطة، لها أصول ملكية فكرية واضحة، وعقود توزيع، وحضور في أسواق خليجية وإقليمية، لا في السوق المحلي فقط. يترافق ذلك مع تحوّل نوعي في علاقة المرأة بالبنية المؤسسية للصناعات الإبداعية: فبدل أن تكون "مستهدفة" ببرامج دعم أو تدريب، تصبح شريكة في صياغة السياسات التي تحكم القطاع، من خلال وجودها في المجالس الاستشارية للصناعات الثقافية، والهيئات المنظمة للإعلام، ولجان الجوائز والمهرجانات، وغرف الصناعات الإبداعية. هنا يبدأ معيار التمكين في التغيّر: من سؤال "كم عدد النساء المشاركات؟" إلى سؤال "كم عدد النساء اللواتي يمتلكن القرار، والملكية، والقدرة على تعريف ما يُعد إبداعًا ذا قيمة؟". في هذا الأفق، لن يُقاس نجاح المرأة فقط بعدد القصص الملهمة، بل بوجود مؤشرات دورية تُظهر نصيبها من الأجور، والوظائف القيادية، والملكية الفكرية، والعقود الكبرى، والصادرات الإبداعية، بحيث يصبح تراجع هذه المؤشرات أو تقدمها إشارة مباشرة إلى جودة السياسات وكفاءتها.
هذا المستقبل لا يلغي الفوارق بين الدول ولا داخل كل دولة؛ فسيظل هناك تفاوت بين سياقات أكثر انفتاحًا وأخرى أكثر تحفظًا، وبين قطاعات تتقدم فيها النساء بسرعة (المحتوى الرقمي، التصميم، الإعلام) وقطاعات تحتاج وقتًا أطول (الألعاب، التقنية الإبداعية العميقة، الملكية الفكرية عالية القيمة). لكن الاتجاه العام- إن استمرت إصلاحات التعليم، والعمل، والملكية الفكرية، والدعم لريادة الأعمال- هو انتقال المرأة من موقع "الاستثناء الملهم" إلى موقع "المكوّن الطبيعي" في مشهد الصناعات الإبداعية والابتكار الرقمي، مع ما يعنيه ذلك من إعادة توزيع للسلطة الرمزية والاقتصادية داخل المجتمع.
** خبير إعلامي
