من الألم إلى الفهم.. رحلة الإنسان في مواجهة الفقد

 

 

 

د. هبة محمد العطار

ليس الفقد حدثًا عابرًا في حياة الإنسان؛ بل تجربة إنسانية عميقة تعيد تشكيل ما بداخله من معان وتوازنات؛ لأن الإنسان لا يفقد الأشياء وحدها؛ بل يفقد معها الإحساس بالأمان الذي كان يمنحه وجودها، فبعض الأشياء حين تغيب لا تترك وراءها فراغا بسيطا يمكن تجاوزه بسهولة؛ بل تترك ارتباكا داخليا، كأن شيئا من النظام الذي كانت تسير به الحياة قد اختل فجأة، ولهذا يبدو الفقد في كثير من الأحيان أكبر من مجرد غياب، لأنه يضع الإنسان أمام سؤال وجودي صامت، كيف نواصل الحياة بعد أن يغيب ما كنا نظن أنه جزء ثابت منها.

وعلم النفس لا ينظر إلى الفقد باعتباره ضعفا أو انهيارا؛ بل يعتبره واحدة من أعمق التجارب التي تكشف طبيعة الإنسان العاطفية، لأن التعلق بالأشياء والأشخاص جزء من تكويننا النفسي، فالإنسان بطبيعته يبني روابط، يمنح الأشياء معاني، ويصنع من وجود الآخرين امتدادا لوجوده، لذلك حين يحدث الفقد فإن ما يتألم ليس الحدث نفسه فقط؛ بل شبكة المعاني التي كانت تحيط به، ولهذا يمر الإنسان غالبا بمراحل نفسية معروفة، تبدأ بالإنكار أحيانا، ثم الغضب، ثم الحزن العميق، قبل أن يصل تدريجيا إلى القبول، ليس القبول بمعنى النسيان؛ بل القبول بمعنى إدراك أن الحياة يمكن أن تستمر رغم الغياب.

حين يصبح فقد الشيء صعبًا إلى هذا الحد، فغالبا ما يكون السبب أننا لم نعد نتعامل معه كشيء في حياتنا؛ بل كجزء من تعريفنا لأنفسنا، كأن وجوده أصبح يجيب عن سؤال خفي داخلنا من نحن، لذلك حين يلوح احتمال خسارته نشعر وكأننا لا نفقده وحده؛ بل نفقد النسخة التي كناها بوجوده، نفقد المعنى الذي منحناه لحياتنا عبره، نفقد التوازن الذي اعتدنا أن نقف عليه دون أن نشعر، هنا يبدأ الصراع الحقيقي، ليس صراعا بيننا وبين الشيء؛ بل بيننا وبين خوفنا من الفراغ الذي سيتركه إذا غاب، لأن الإنسان كثيرا ما يفضل الألم المألوف على المجهول الذي لا يعرف ملامحه.

لكن الحكمة التي يكتشفها الإنسان مع الوقت أن بعض الأشياء تزداد ثقلا كلما حاولنا إنقاذها بالقوة، كأن التمسك بها يشبه محاولة إبقاء باب مغلق بينما الحياة كلها تدفعه نحو الانفتاح، نحن نظن أننا نحافظ عليها، بينما الحقيقة أننا نحافظ على التعب الذي أصبح مرتبطا بها، نكرر الوجع نفسه لأن فكرة الخسارة تبدو مخيفة أكثر من فكرة الاستنزاف البطيء، ومع ذلك فإن علم النفس يرى أن أول خطوة نحو التعافي ليست مقاومة الفقد؛ بل الاعتراف به، لأن الاعتراف يفتح الباب أمام عملية التكيف، بينما الإنكار يطيل زمن الألم دون أن يغير من الواقع شيئا.

ومن الوسائل الدفاعية الطبيعية التي يستخدمها العقل بعد الفقد أنه يحاول إعادة ترتيب العلاقة مع ما غاب، فبدلا من أن يظل الشيء المفقود مركزا للحياة كلها، يبدأ العقل تدريجيا في نقله إلى مساحة الذكرى، لا إلى مساحة الحضور اليومي، هذه العملية قد تبدو بطيئة، لكنها ضرورية، لأنها تسمح للإنسان أن يحتفظ بالمعنى دون أن يظل أسيرا له، فالتعافي لا يعني أن نتخلص من الذكريات؛ بل أن نتعلم كيف نحملها بطريقة لا تمنعنا من العيش.

ويشير علماء النفس أيضا إلى أن التعافي الحقيقي يحدث حين يدرك الإنسان أن الفقد جزء من طبيعة الحياة نفسها، فكل ما يدخل حياتنا يحمل في داخله احتمال غيابه يوما ما، هذه الفكرة ليست قاسية كما تبدو؛ بل هي ما يمنحنا القدرة على التوازن، لأنها تعلمنا أن نحب الأشياء دون أن نحولها إلى ضرورة مطلقة لوجودنا، حين يفهم الإنسان ذلك يصبح أكثر قدرة على التعامل مع الخسارة، لأنه لا يربط حياته كلها بوجود شيء واحد.

ومع الوقت يحدث ما يشبه إعادة البناء الداخلي، فالقلب الذي عرف الفقد لا يعود كما كان، لكنه يصبح أكثر وعيا بنفسه وبالعالم، الألم نفسه يتحول تدريجيا إلى معرفة، معرفة بحدود التعلق، ومعرفة بقدرة الإنسان على النهوض من جديد، ولهذا يقول كثير من علماء النفس إن الإنسان لا يخرج من تجارب الفقد فارغا؛ بل يخرج وقد اكتسب طبقة جديدة من الفهم والعمق.

 يبقى الفقد واحدا من أكثر التجارب الإنسانية قسوة، لكنه في الوقت نفسه واحد من أكثرها كشفا للحقيقة، لأنه يعلمنا أن الأشياء لا تدوم، وأن العلاقات قد تنتهي، وأن بعض الغياب لا يمكن منعه، لكنه يعلمنا أيضا شيئا آخر أكثر أهمية، أن الإنسان قادر دائما على إعادة بناء حياته، وأن الروح، مهما انكسرت في لحظة ما، تملك قدرة عجيبة على الالتئام والبدء من جديد، لا لأنها نسيت ما فقدته؛ بل لأنها تعلمت كيف تعيش رغم الفقد.

الأكثر قراءة

z