امرأة في زمن الحرب

 

 

 

مدرين المكتومية

في خضم ما يموج به إقليمنا من صراع مفصلي وحرب مجنونة تُهدد بخروج الأوضاع عن السيطرة بلا رجعة، بِتُّ أشعر أنني لستُ وحدي التي فقدت قدرتها على النوم بهدوء وسلام، لا سيَّما في حياتنا -نحن الصحفيين- التي نعمل ليلًا نهارًا لتغطية الحدث..

في كل ليلة أغمض عينَيَّ على أمل أن أحصل على استراحة ولو قصيرة، لكنني أجد نفسي، لا شعوريًا، أستيقظ على كوابيس مُزعجة لا تتوقف، وتسبقني إلى سريري كل يوم دون استئذان، فتلاحقني أخبار الحرب وصور الدمار وأصواتها من كل اتجاه، فأجدُ نفسي في حالة من الأرق المستمر الذي يتراكم يومًا بعد الآخر، حتى عندما أبدأ يومي، لا ينتابني سوى شعور بالإرهاق والكسل والتعب، وكأنني بذلت جهدًا كبيرًا، فأول ما تلمسه يداي ليست ستائر الغرفة ولا كوب الماء، وإنما "هاتفي"، بكل عجلٍ أفتح وأرى وأتتبع الأخبار وما الذي فاتني في تلك الساعات واللحظات البسيطة التي غفوت فيها، لكن رأسي كان يعمل دون توقف، أفتح الشاشة لأبحث عن يقين مفقود، وربما عن خبر يُطمئِن هذا القلق والتوتر المستمر الذي أعيشه، وأكاد أجزم أن الكثير مثلي ممن يعيشون على ذلك أيضًا.

إننا نعيش اليوم تحت حالة ترقب مستمرة دون توقف وانتهاء، أفكار ممتلئة، وصخب داخلي لا يهدأ، وتوقعات لا تنتهي أبدًا، نلتقي كل صباح على طاولة الاجتماع، فلا حديث لنا سوى سيناريوهات الحرب التي نتوقعها، تلك التي بالأساس تتبدل في كل لحظة، فالأخبار التي تصلنا ونتابعها بشكل يومي ليست مجرد معلومات فقط نطلع عليها، وإنما عبء نفسي نأخذه معنا أينما ذهبنا، حتى إن اجتماع التحرير اليومي أصبح أشبه باجتماع صياغة أفكار ومعرفة وجهات النظر المختلفة؛ حيث أحمد يرى أن الحرب ستظل مستمرة، في حين تتمنى سارة تحلّينا بالإيجابية، ويرى عبدالله أن هناك ما هو عكس ما نتوقع، في حين تكتفي ريم بالحيرة مرددة: "لا نعرف ما هو القادم".. وهكذا نظل نكرر نفس السؤال كل يوم: هل ستتوقف الحرب قريبًا؟ لكننا لا نجد سوى إجابة معلّقة لا تحمل أي يقين ولا تعطي الراحة.

وعلى المستوى الحياتي؛ فالأحداث من حولنا ترهقنا لدرجة أننا لا نشعر بذلك بقدر ما يشعر بنا الآخرون في محيطنا، هناك من يتهمك أنك تغيرت، وهناك من يرى أنك غير مُبالٍ، وهناك من يجدك لست كما كنت في السابق، وهناك من يعتقد بأنك قد فقدت الشغف في الحياة، وهناك آخر يتهمك بالسلبية الدائمة، دون أن يدركوا فعليًا أن الإنسان يعيش الحياة وفق مؤثرات لها القدرة الكبيرة على أن تحول الشخص من حال لآخر دون أن يدرك ذلك.

فنحن على الأقل قد نختلف عن الآخرين كوننا نعمل في هذا الحقل الإعلامي الذي لا يمكن أن ننفصل فيه عن الحقيقة أبدًا، نقضي الساعات في متابعة المواقع الإخبارية والتنقل بين الرسائل والصور والمقاطع المرئية، نبحث خلالها عن خيط يمكنه أن يربط الأحداث بعضها ببعض، وعن تفسير واضح، وعن معنى لهذا الضجيج الذي يسكننا، وفي خضمّ ذلك لا نجد سوى أننا نعيش أسرى لمزاجات سياسية متقلبة، وأخبار مضللة، وقرارات متناقضة لا تقودنا إلا لنقطة البداية، وبين ذلك كله يزداد شعورنا بالعجز، وكأننا نعيش وسط مشهد من مشاهد بوليوود التي صنعها مخرج جعلنا نتوه مع الأحداث في المنتصف دون قدرتنا على تغييره أو فهمه، صحيح أن هذه هي طبيعة عملنا التي لا يمكن أن نتراجع عنها أو أن نتنازل فيها عن أدوارنا، لكن لهذا الثمن أثره، فقد وجدنا أنفسنا في ليلة وضحاها نغير أولوياتنا، وتتراجع لدينا متع الحياة البسيطة التي كنا نرى أنها مصدر لتوازننا، وأصبحنا محاطين بعالم لم نتوقع أن نعيشه يومًا.

ومع كل ذلك، فلا بُد لنا أن نعترف بأننا أفضل بكثير من غيرنا، فإذا كنا نعيش تحت ثقل ما نحن عليه الآن ونحن نعيش في أمان نسبي، فما هو حال أولئك الذين يعيشون تحت القصف بشكل لحظي، أولئك الذين ناموا وهم يرددون الشهادة خوفًا من أنهم قد لا يستيقظون؟ أولئك الذين فقدوا أبسط مقومات الحياة والطمأنينة!

وبين كل ما نمتلكه من امتنان بما نعيشه، وربما حزن على ما يعيشه الآخرون، فإننا نقف في منتصف منطقة إنسانية حساسة، نحاول ونسعى فيها لنجد توازنًا بين وعينا بالأحداث من حولنا وبين حاجتنا للتماسك، صحيح أننا لا نملك تلك القدرة على إيقاف الحرب والأحداث في المنطقة، ولكننا نملك بالتأكيد قدرة على الحفاظ على إنسانيتنا، والكيفية التي نمنح فيها أنفسنا مساحة الهدوء مهما كانت بسيطة، لكن لنستمر فقط!

الأكثر قراءة

z