السقوط الهادئ

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

لا يأتي الفشل المؤسسي فجأة، ولا يبدأ بصوتٍ مرتفع؛ بل يتسلل بهدوء، دون أن يُحدِث ضجيجًا يُلفت الانتباه. تستمر الأعمال، وتُعقد الاجتماعات، وتُرفع التقارير، ويبدو كل شيء في مكانه الصحيح. لكن في العمق، في تلك المساحة التي لا تظهر في المؤشرات السريعة، يبدأ شيء ما بالتآكل؛ ببطء، وبطريقة لا تستدعي القلق في بدايتها، لكنها مع الوقت تُغيّر ملامح الصورة كاملة.

المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في نقص الموارد أو ضعف الكفاءات، بل في غياب اتجاهٍ واضح تنتظم حوله الجهود. وحين يبهت هذا الاتجاه، لا تتوقف المؤسسة عن العمل، لكنها تفقد تدريجيًا قدرتها على أن تعمل بشكلٍ متسق.

وتبدأ الحكاية عادةً من فكرة تبدو بسيطة: أن التخطيط يمكن تأجيله قليلًا، وأن الانشغال بالتفاصيل اليومية أكثر إلحاحًا من التوقف عند الصورة الكلية، وأن كل جزء قادر على أن ينجح بمفرده، حتى في غياب رابطٍ حقيقي يجمعه بغيره. ومع مرور الوقت، لا تبقى هذه مجرد اختيارات عابرة، بل تتحول تدريجيًا إلى نمط عمل مستقر، ثم إلى ثقافة غير مرئية تُدار بها المؤسسة دون أن تُراجع.

وعند هذه المرحلة، لا يظهر الخلل بشكلٍ مباشر. تبدو كل إدارة منشغلة، ويؤدي كل فريق مهامه، ويعطي كل مؤشر انطباعًا أوليًا بأن الأمور تسير كما ينبغي. لكن ما لا يظهر في هذه الصورة هو ما يحدث بين الأجزاء: مساحات غير مرئية من الانفصال، حيث تُتخذ القرارات بعناية لكنها لا تلتقي، وتُبذل الجهود بإخلاص لكنها لا تتكامل، وتتحرك المبادرات في اتجاهات متوازية… دون أن تتلاقى.

ومع تراكم هذه المسافات الخفيّة، يبدأ البناء بالاهتزاز من الداخل. لا يحدث ذلك على شكل انهيار مفاجئ؛ بل في صورة اختلالٍ تدريجي في النتائج: مشاريع تُعلن ولا تكتمل، ومبادرات تبدأ بحماس ثم تتلاشى، وشراكات تُبنى بسرعة لكنها لا تصمد طويلًا. وقد تصل المؤسسة إلى مرحلة تُنجز فيها الكثير… لكنها لا تحقق أثرًا يُذكر. وهنا تحديدًا، يبدو الفشل وكأنه حدثٌ طارئ، بينما هو في الحقيقة نتيجة مسارٍ طويل لم يُنتبه إليه في حينه.

المشكلة لم تكن في لحظة التعثر، بل في الطريق الذي سارت فيه المؤسسة دون أن تتوقف لتسأل السؤال الأهم: إلى أين نمضي؟ وهل ما نقوم به اليوم يقودنا فعلًا إلى ما نريده غدًا؟

وحين يغيب هذا السؤال، يتحول العمل تدريجيًا إلى سلسلة من الاستجابات المتفرقة. يصبح القرار معالجةً ظرفية، لا امتدادًا لرؤية. وتفقد الإدارة قدرتها على الربط بين ما يحدث الآن وما ينبغي أن يحدث لاحقًا، ويتحوّل القائد- دون أن يشعر- من صانعٍ للاتجاه إلى مُديرٍ لما تفرضه اللحظة.

ومن هنا، يتغير معنى الإدارة في جوهره؛ فلم تعد الكفاءة في إنجاز المهام، بل في قدرتها على أن تُكمّل بعضها. ولم يعد النجاح في سرعة القرار، بل في مدى اتساقه مع بقية القرارات. ولم يعد التميز في كثرة المبادرات، بل في قدرتها على أن تتحرك ضمن سياقٍ واحد يُعبّر عن رؤية واضحة، لا عن جهود متفرقة.

فالمؤسسات لا تنهار حين تتوقف عن العمل؛ بل حين تتوقف عن التفكير. تستمر في الحركة دون أن تُعيد النظر في اتجاهها، وتُنجز دون أن تتساءل عن جدوى ما تُنجزه.

وفي النهاية، لا يُقاس نضج أي مؤسسة بعدد مشاريعها أو بحجم إنجازاتها المؤقتة؛ بل بقدرتها على أن ترى الصورة كاملة، وأن تُدير أجزائها بوصفها كُلًّا واحدًا؛ فهناك فرقٌ كبير بين مؤسسة تعمل كثيرًا، وأخرى تعرف لماذا تعمل، وإلى أين تمضي.

 

 

الأكثر قراءة

z