فاطمة الحارثي
"بدلًا من أن يكون النقاش حول الوقائع، يُصبح حول التفسير والتأويلات".
وقت إصدار الأوامر، وإقحام التعليمات غير المدروسة، بل وقد تكون ممزوجة بالأجندات الخاصة والفهم المحدود، يتقلد المسؤول وسام المسؤولية المطلقة، وكأنه العالم والخبير الوحيد، وعند النتائج "الواقع"، التي قد تكون بعيدة كل البعد عن المتوقع "الخيال السلطوي"، يتملص عن المسؤولية لتسقط على المنفذين، وعند السؤال، تكون الإجابات على ذمة السلوك، والنقاش حول "تفسير" ومبررات صاحب السلطة، أي المُقرر، لا الوقائع والحقائق التي هي نتائج للقرارات غير المدروسة التي تفتقر إلى النضج والشمولية.
الإدارة الحقيقية صعبة أحيانًا، والحكم حسب النتائج لا الأجندات الخاصة يصنع الحيرة، وهذا مدخل ظالم للسلطة غير المسؤولة، فالنتائج هي نتاج لقرارات وتوجيهات قبل أن تكون أهدافًا قابلة للقياس، وما بُني على خطأ، بديهيًا النتائج ستكون غير محمودة، ومن يقوم بالتمويه ومحاولة التصحيح بخطأ آخر، أو تطبيق حل "كبش الفداء"، لن تنتهي سلسلة الإخفاقات والخسائر، بل هو التشجيع الواضح للتنمر السافر لبعض المسؤولين حديثي السلطة وأصحاب الأجندات الخاصة، الذين لا يفقهون سوى الأوامر والتسلط، ولا علم لهم بأدنى معايير المسؤولية وقيم القيادة والحكمة.
تعددت مستويات التنمر، سواء إقليم على إقليم، أو دول على دول، أو مؤسسة على مؤسسة، أو شركة على شركة، أو مسؤول على مسؤول، أو قبيلة على قبيلة، أو مجتمع على مجتمع، أو فرد على فرد، مستويات مختلفة تتشابه في السلوك، والأساليب تكرر ذاتها، والحل يكمن في التغيير والقانون العادل.
ليس مطلوبًا منك إصلاح كل ظلم في العالم، المطلوب ألا تكون جزءًا منه أو مؤثرًا فيه، والظلم هو نوع من أنواع استضعاف الآخر، أي بتعريف آخر "التنمر"، ونعلم جميعًا أن من أصعب الأمور إثبات التنمر، خاصة من عدو دلس يقود زمرة من الحمقى الذين يتحكم بهم. نحن دولة قانون، نمتلك كافة الإمكانيات والوعي لمعرفة خبايا الأمور، مهما تعارضت هذه الأمور بين طيات الأجندات الخاصة والمصالح المشتركة، تبقى الشهوات سيدة التنمر والقائد المطلق له؛ وإن طال الجهد الذي يُبذل في ظلمات التنمر، فالخصم يوم الدين، لا مفر له ولا توبة، لأن التنمر هو سلوك متعمد مع سبق الإصرار، وليس حادثًا عرضيًا، والإشهاد هنا جنة ونار الشاهد، ولا يُحسب لحظة أن الضعف والخوف عذرًا لصمته، لأنها مناصب ووجود مؤقت وزائل، والميزان السليم أن أُحسب لصالح الخلود لا لصالح لحظات تنتهي مهما أردت أو حسبت أنها باقية.
نحن لا نصنع أعداءنا، فلا أحد يرغب أن يكون مكروهًا، بل هي أنفس مريضة عاجزة عن نيل التوازن والنضج النفسي، وتحقد على كل من لا يشبهها، أنفس لا تقنع ولا تؤمن، وليس لها للسلام والإيمان سبيلًا، اختارت الدنيا فانغمست في الكره والبغضاء والفساد في الأرض، واجتمعت بأشباهها ليصنعوا التنمر الجماعي، وويلات التنمر الجماعي عظيمة وممنهجة، تبدأ بخلق روايات مستهدفة، ثم تعزيز التحالف، سواء ضمنيًا أو بشكل صريح، لتتكرر الأصوات من أكثر من فرد أو جهة، كنوع من أنواع التضخيم، ليصلوا إلى العزل التدريجي للمستهدف، ثم شرعنة الأحكام الظالمة بحجة مصلحة العمل أو تصحيح الأداء، والحقيقة أنها أجندة خائنة تريد أن تضلل وتدلس الحقائق، ولا يختلف هذا عن الطغيان والحرب الغاشمة التي صنعتها أمريكا في محاولة يائسة لطمس فضائح المسؤولين على الجزيرة الملعونة، جزيرة إبستين.
وإن طال...
يُعرف الصمت بأنه موافقة ضمنية، ولم يُدرج في أي عهد أو زمن بأنه حلًا، بل في معظم الثقافات وعبر الأجيال شُبه الساكت بالشيطان الأخرس، ولأن الخالق أعلم منا من أنفسنا فقد أذن لأجسادنا بالحديث، وألهمنا قراءة السلوك والتفاعلات في الدنيا، وسمح بالنطق الصريح للجسم يوم الدين.
فليتذكر الظالم خصومه يوم الدين، أكانوا أفرادًا أم أسرًا أم جماعات أم أممًا.
