د. عبدالله باحجاج
في الوقت الذي أصبح فيه الرهان على التفاوض يتعاظم أكثر من القوة المجنونة في الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وهذا أكبر المؤشرات على تبدد حلم الرئيس ترامب في تحقيق النصر الحاسم والسريع في هذه الحرب، وفي وقتٍ تحولت فيه هذه الحرب إلى استنزاف طويل وإرهاق ممنهج للجيش الأمريكي، تدخل الآن شهرها الثاني على التوالي، فإن هناك حقيقةً تخرج متزامنة مع فشل أمريكا في تحقيق أهداف الحرب بالقوة التدميرية بمنطق السرعة، وهي أن المنطقة الخليجية تحتاج إلى رؤية جماعية لما بعد هذه الحرب، أي إلى أفق سياسي ينبغي أن يُشتغل عليه إقليميًا من الآن، وهنا ينبغي أن تتحرر العقلية السياسية الخليجية العربية من صدمة استهداف دولها الست دون استثناء، واعتبار ذلك حتمية الحرب الوجودية رغم أنها مستنكرة.
فمن الحكمة السياسية والواقعية البراغماتية التفكير في مستقبل المنطقة بجغرافياتها الثابتة ومكوناتها السياسية والأيديولوجية في ضوء إخفاق أكبر دولة في العالم، ومعها الكيان الإسرائيلي، في تغيير النظام في إيران والقضاء على كامل قدراته العسكرية، وهما يدخلان بهذا الفشل الآن في الشهر الثاني، فهل هناك أي قوة إقليمية يمكن أن تراهن على خيار القوة في صراعها مع إيران الآن أو مستقبلًا؟ هذا التساؤل نطرحه كأهم الدروس التي يمكن الخروج بها من الحرب المستمرة على إيران، وهو -أي هذا الدرس- في المقابل يمثل قمة العقلانية التي تكبح جماح الانتقام أو حتى التلويح به، ويدلل على خطأ بعض المواقف الخليجية، كموقف "ندرس جميع خيارات الرد"، ولو حدث -لا قدر الله- وهو ما يتمناه أعداء الخليج والأمة، فستدخل المنطقة في أتون صراعات عميقة طويلة الأجل، وأهم تداعياتها: انهيار دول الرفاه في الخليج، ووقف مشاريعها الاقتصادية المستقبلية الكبرى، وترسيخ حدية الصراع داخل المنطقة الخليجية.
ولذلك، فالمواجهة الواسعة ليست من الخيارات الخليجية الاستراتيجية، مما ينبغي أن نضع هذا التلويح من منظور بناء معادلة الردع الخليجية المستقبلية التي تعتمد على ذاتها دون الحماية الأجنبية وأدواتها الميدانية، كالقواعد العسكرية التي لم تحمِ نفسها، فكيف تحمي محيطها الخليجي؟
وهنا ندعو دول مجلس التعاون الخليجي إلى فتح حوارٍ إقليمي استراتيجي عاجل لبناء الثقة وتأسيس مستقبل التنمية والاستقرار المستدام من رحم هذه الحرب، وتوقيته الآن مناسب أكثر من أي وقتٍ مقبل أو سابق، فكل الأسباب العقلانية تلتقي في هذه المرحلة وتنضج التفكير السياسي في الانتقال من ردّة فعل الاستهداف إلى فعل بناء علاقاتٍ متوازنة بين دول الجوار، ونخص بالذكر مع إيران واليمن، وبناء منظومة أمنية إقليمية من رحم هذه الحرب، أسوةً بما فعلته أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية عام 1945، على أساس الثقة والتعاون والتكامل.
لقد تعبت شعوب المنطقة من دوامات الصراعات والحروب التي استنزفت الطاقات وبددت فرص التنمية، خاصةً وأنها تكون حروبًا طويلة الأجل ومداها واسع، وكل محبٍ لاستقرار دول المنطقة -كلها- يقول بأعلى صوتٍ إنه آن الأوان أن تتقدم لغة الحكمة على أصوات المدافع، وأن يُفتح الباب الأوسع للسلم والاستقرار، فالمنطقة تمتلك إمكانيات اقتصادية وبشرية ما يؤهلها لتكون نموذجًا عالميًا في التنمية والتكامل، فمن الأهمية الاستراتيجية لشركاء الجغرافيا في منطقة الخليج أن يكون لها الآن أفقٌ سياسي عقلاني لمرحلة ما بعد الحرب، وعدم ترك مستقبل المنطقة لردود الفعل المقبلة أو الناجمة عن الاتفاق الأمريكي الإيراني أو نتائج الحرب التدميرية، فالحوار بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران ينبغي أن يبدأ عاجلًا.
وكما يُقال، فإن أكثر الأفكار شجاعة في زمن الحرب هي تلك التي تتحدث عن المستقبل لا عن الحاضر، فالحرب لم تعد تحقق الأهداف السياسية في ظل قوة معادلة الردع، ولعل فشل الحرب الأمريكية الإسرائيلية في تغيير النظام الإيراني والقضاء على قوته الخشنة غير التقليدية بالسرعة المخطط لها نموذجًا يمكن الاستدلال به هنا، واستمرار الصراع يعني عودة الحرب لا محالة.
وبالرجوع إلى التاريخ، فإن كثيرًا من مبادرات السلام وُلدت في لحظات الحرب وذروة الصراع، ومن التاريخ والبراغماتية السياسية دعوة دول المنطقة -عربها وفرسها- إلى فتح صفحة جديدة لإقامة ترتيبات إقليمية جديدة في ظل حقيقتين: الأولى: قديمة/متجددة، وهي أن خسائر الحرب وإطالة أمدها لا تقتصر على دولةٍ واحدة، وإنما تشمل الجميع، وهذا ما يحدث أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة على إيران، وتمتد عالميًا كما يحدث الآن للاقتصاد العالمي. والثانية: أن دول المنطقة تقع في منطقة حساسة جدًا وذات أهمية دولية كمضيق هرمز وباب المندب، وقدرها أن يسود التفاهم فيما بينها، فاستقرار المنطقة من استقرار دولها، والعكس صحيح.
فهل يمكن أن تستفيد دول المنطقة من التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية؟ فقد كانت أوروبا قارةً مدمرةً وممزقةً بالصراعات والقوميات والتنافس العسكري، لكن القادة الأوروبيين أدركوا أن استمرار الصراع يعني تكرار الكارثة، ولذلك اختاروا طريقًا مختلفًا وهو التعاون بدل المواجهة، وهذه التجربة يمكن أن تستفيد منها دول المنطقة، ليس بالضرورة أن يُنسخ النموذج الأوروبي حرفيًا، وإنما التوصل لنموذجٍ متفقٍ عليه من تجارب الصراعات والحروب الإقليمية التي إذا ما اندلعت تكون طويلةً وموسعةً في أغلبها، وتحصد ثمار التنمية التي صُرفت عليها الأموال الطائلة.
والنموذج الإقليمي الجديد ينبغي أن ينطلق من ثلاث ركائز أساسية: أولًا: مبدأ حسن الجوار كثابتٍ مقدس، وحيثياته تنطلق من الاعتراف بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق بالصراع، بل بالتفاهم والاحترام المتبادل بين دولها حتى في حالة وجود الخلافات، والتسليم بخيارات كل دولة الداخلية وعدم التدخل فيها، وتجريم الحروب بين دول المنطقة. وثانيًا: الحوار المباشر للقضايا العالقة بعيدًا عن التصعيد الإعلامي والعسكري. وثالثًا: التعاون من أجل الاستقرار، خاصةً في مجالات حماية الملاحة البحرية وتعزيز الاقتصاد الإقليمي ومحاربة التحديات المشتركة التي تواجه المنطقة، وبناء قنوات تفاهم لضمان عدم انزلاق المنطقة إلى مواجهات، وهذا لا يلغي صناعة قوة الردع لكل دولة تحسبًا للأسوأ، لكن بعيدًا عن السلاح النووي.
وسلطنة عُمان، برصيدها الكبير في الوساطة والدبلوماسية والحكمة والواقعية، يمكنها إطلاق مبادرة للحوار الإقليمي، وفي الوقت نفسه الثقة بها، ورغم استهدافها ببعض الطائرات المسيرة، إلا أنها ظلت هادئة، وقد برهنت على أصالة نهجها واستدامته رغم حالة الغضب الداخلية والملحة لمعرفة مصدر الاستهداف، فسمت مسقط بلحظة الانفعال إلى حكمة الفعل، ونأت بمجتمعها عن صناعة عداوة دائمة مستهدفة بذاتها خاصة، ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الاستهداف، لذلك فهي الآن تنفرد بصناعة الأفق السياسي الإقليمي لما بعد هذه الحرب، وإذا لم تستغل دول مجلس التعاون الخليجي هذه الفرصة التاريخية الآن، فلن تجد فرصة مثالية مقبلة، فدول هذه المنطقة الآن بين خيارين لا ثالث لهما: إما التعاون الذي يبني مستقبل المنطقة، أو استمرار الصراع الذي يستنزفها ويفتح لأعدائها استدامته واستنزاف المنطقة ماليًا واقتصاديًا وإفقار شعوبها.
وأخيرًا، نرى أن الاستقرار في المنطقة قد أصبح الآن ناضجًا، فالجميع يدرك الآن أن استمرار الصراع ليس طريقًا للمستقبل، وأن كلفته عاليةٌ جدًا، ولا بد من وأد خيار تغيير الأنظمة بقوة النيران، فشرعنته في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران لن يكون حصريًا، وسيمتد جغرافيًا حسب الأمزجة الأمريكية والصهيونية أو التلويح به لتحقيق الأجندات الصهيونية، وهذا من أكبر الإكراهات التي تنتظر المنطقة إذا لم تبادر دولها من الآن إلى بناء منظومة أمنية إقليمية بثقة مستدامة، والاستفادة من تجربة أوروبا التي انتقلت من ساحة حروب إلى فضاء تعاون اقتصادي وسياسي عبر الاتحاد الأوروبي، لأن قادتها امتلكوا رؤيةً تتجاوز الماضي نحو المستقبل.
فهل تفعلها دول مجلس التعاون الخليجي وإيران واليمن؟ الأنظار تتجه الآن إلى مسقط، فهي الدولة الوحيدة التي تمكنت من التعبير بوضوحٍ وصراحة تامة عن رفضها الحرب على إيران واعتبرتها غير قانونية، وهي التي ترفض الحروب في المنطقة وتدافع عن القانون الدولي والحفاظ على التوازن بين القوى وحماية الاستقرار الإقليمي، لذلك فهي اللاعب الإقليمي الحصري لمهمة نقل دول المنطقة -إذا ما توفرت الإرادة السياسية الجماعية- نحو تغليب التعاون على المواجهة، ولن نجد هناك دولةً تتمتع بهذا الامتياز الحصري غيرها.
