عُمان.. حكمة الصمت

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

قبل مدة نشرتُ مقالًا بعنوان «قِبلة الأمان وبوصلة السلام»، عبّرتُ فيه عن قناعتي العميقة بالدور الذي تضطلع به بلادي في تهدئة التوترات واحتواء الأزمات، سواء على مستوى الخليج بشكل خاص أو في الشرق الأوسط عمومًا. وبرغم ما يحيط بهذا الوطن الغالي من تحديات ومحاولات لجرّه إلى دوائر الصراع، تظل عُمان ثابتة على نهجها، لا تنجرف خلف الضغوط ولا تتخلى عن مبادئها. وإن ما يميز التجربة العُمانية هو تلك الحكمة المتجذّرة والإرادة الصلبة التي تتجلى في قيادتها، قيادة واعية تدرك تعقيدات المشهد الإقليمي، وتتعامل معه برؤية متزنة وبُعد نظر، فهي تمضي بثقة في طريق الحق، مستندة إلى نهج راسخ يقوم على القيم الراقية والفكر السياسي الذي يؤمن بالحوار، ويجعل من السلام خيارًا استراتيجيًا لا حياد عنه.

فالسلطنة، في خضم ما تشهده المنطقة من أزمات متلاحقة وتسارع في وتيرة الأحداث، تعود لتؤكد أن الحكمة لديها أسلوب متجذر في إدارة شؤونها منذ زمن طويل، وليس مجرد عبارة تُستدعى عند الضرورة. فالموقف العُماني من التوترات الإقليمية، بما في ذلك التصعيد الحالي المرتبط بالحرب الدائرة في المنطقة وما يشهده العالم، لا يقوم على ردود فعل سريعة أو انفعالات مؤقتة، إنما يستند إلى قراءة متأنية وعميقة للمشهد تضع الاستقرار في مقدمة الأولويات. وعلى خلاف ما قد نراه من اصطفافات حادة أو مواقف متشنجة في بعض الأحيان، تبتعد عُمان عن هذا النهج وتختار طريقًا مختلفًا يتسم بالهدوء والاتزان. هذا الطريق، وإن بدا أقل ضجيجًا، إلا أنه في جوهره أكثر تأثيرًا واستدامة؛ فهو يقوم على الحوار وفتح قنوات التواصل والعمل على بناء جسور التفاهم حتى في أصعب الظروف. وهذه المقاربة هي امتداد طبيعي لإرث طويل من التوازن والاعتدال الذي ميّز السياسة العُمانية عبر العقود، وليست وليدة اللحظة.

ويمضي هذا النهج بثبات تحت قيادة سلطان البلاد -حفظه الله- الذي يواصل توجيه دفة الوطن نحو ما يحقق أمنه ويحفظ استقراره في مواجهة تقلبات الزمن، فبما عُرف عنه من حكمة وبصيرة، يضع الوطن في صدارة اهتماماته، ويجعل من الحق غاية، ومن الحكمة أساسًا لكل قرار. كما أن قدرته على استشراف ما قد لا يراه الآخرون، وحرصه على تقديم النصح بالفعل قبل القول، أسهما في ترسيخ حالة من التوازن الذي تنعم به البلاد اليوم. وهذا المسار ليس جديدًا على عُمان وقيادتها، إنما هو امتداد لما أرساه السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الذي وضع أسس هذه المدرسة الحكيمة في إدارة الدولة، لتستمر من بعده نهجًا ثابتًا تسير عليه عُمان، ومن قبله من سلاطين عُمان وأئمتها.

وفي هذا السياق، يبرز دور وزارة الخارجية التي تقود جهودها برؤية واضحة تعكس جوهر السياسة العُمانية، فالأداء الدبلوماسي يتميز بالهدوء والرصانة، بعيدًا عن الاستعراض أو السعي وراء الظهور الإعلامي، لكنه في الوقت ذاته حاسم في مضمونه ونتائجه. إذ لا تُقاس الدبلوماسية العُمانية بعدد التصريحات أو حدتها، ولكن بقدرتها على تقريب وجهات النظر وتهدئة التوترات وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع. ومن الجوانب اللافتة في هذا النهج أيضًا إدراك عُمان لطبيعة العصر الرقمي وتأثير منصات التواصل الاجتماعي، مع وعيها في الوقت ذاته بحدود هذا التأثير؛ فهذه المنصات، رغم سرعتها وانتشارها، لا تمثل المكان الذي تُبنى فيه السياسات الرصينة أو تُتخذ فيه القرارات المصيرية. لذلك لا تنجر عُمان إلى سجالات عابرة أو مهاترات لفظية، ولا تسمح للأصوات المتطرفة أو التحريضية بأن تؤثر على مسارها، فهي تدرك أن القضايا الكبرى لا تُدار في فضاءات الضجيج، وأن الحكمة تكون عبر قنوات هادئة وعمل دؤوب بعيد عن الأضواء.

كما أن المجتمع العُماني نفسه يعكس هذه القيم، حيث يتميز أفراده بالوعي والقدرة على التمييز بين ما يستحق الرد وما يمكن تجاوزه، فالكلمة لديهم لا تكون أبدًا مجرد رد فعل، إنما تمثل لهم أمانة ومسؤولية تُستخدم في وقتها المناسب وبالقدر الذي يحقق الغاية منها. وحتى في ظل ما قد يصدر من بعض الأصوات النشاز أو محاولات التشويه، يبقى السلوك العام قائمًا على الترفع والثقة بالنفس والاعتزاز بالقيم الأصيلة التي تربى عليها العُماني منذ نشأته. ورغم ما قد يُطرح من انتقادات أو محاولات للنيل من هذا النهج، سواء بأساليب مباشرة أو ملتوية، إلا أن الواقع يثبت أن هذه السياسة القائمة على الحكمة والاتزان قادرة على الصمود، فالعُماني نشأ على قيم الفضيلة والكرامة، وتشرّب معاني الوفاء والنقاء، ما يجعله أكثر وعيًا بطبيعة هذه الحملات وأقل تأثرًا بها، بل إن هذا الوعي يعزز من تماسك المجتمع ويجعله أكثر قدرة على الحفاظ على صورته الحقيقية بعيدًا عن التشويه أو التزييف.

ولعل التاريخ يقدم شواهد عديدة على أن الصبر والحكمة غالبًا ما يحققان نتائج أعمق وأكثر استدامة من الضجيج والتسرع، وعُمان، من خلال مواقفها المتزنة عبر مختلف المراحل، تؤكد هذه الحقيقة مرة بعد أخرى. فهي تعرف متى تتحدث، ومتى تلتزم الصمت، ومتى يكون الفعل أبلغ من أي تصريح. وهذا الصمت، في حقيقته، تعبير عن قوة مدروسة تُترجم إلى مواقف تحظى باحترام وتقدير الآخرين، وليس علامة ضعف كما يراه ضعاف النفوس.

وفي المحصلة، ما نشهده اليوم من مواقف عُمانية هو انعكاس لهوية راسخة ونهج مستمر، فالحكمة بالنسبة لعُمان لا يمكن أن تكون خيارًا ظرفيًا، لأنها جزء من بنيتها العميقة وطريقتها في التعامل مع العالم من حولها. ولهذا ستظل هذه السياسة ثابتة، قادرة على التكيف مع المتغيرات، دون أن تفقد جوهرها أو تنحرف عن مسارها، مهما تبدلت الظروف وتعقدت التحديات.

نسأل الله أن يحفظ عُمان وينعم عليها بالرخاء والازدهار، ويبارك لها فيما تقدمه للعالم أجمع من حكمة وفكر نحو السلام والاستقرار والأمن، ليعم الخير على الجميع، فهي بوصلة السلام وقبلة الأمان.

الأكثر قراءة

z