زيادة عن اللزوم

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

نقول زيادةً عن اللزوم، وباللغة الإنجليزية "too much"، حين يتجاوز الفعل حدَّه الطبيعي، فيتحول من سلوك مقبول إلى حالة من المبالغة والإكثار غير المحمود.

وفي مجتمعاتنا نمطٌ من الأشخاص يجعلون حضورهم بين الناس محور حياتهم وأولويةً لا تتقدمها أولوية، فيزدحم جدولهم بالمناسبات واللقاءات بما ألزموا به أنفسهم زيادةً عن اللزوم، دون داعٍ أو ضرورة، وأحيانًا قاطعين المسافات الطويلة ومرتحلين إلى أماكن بعيدة لمجرد تسجيل حضور.

كما أن هؤلاء كلَّما زاد تعرضهم لأكبر عددٍ من الناس، توقَّع منهم بعضُ الناس من ذوي الحاجة والمعوزين المساعدةَ والعونَ في شؤونهم وأحوالهم، خاصةً إذا كان هؤلاء ممن يُتأمَّل منهم المساعدة.

وليس في مشاركة الناس مناسباتهم ومساعدة المحتاج ما يُعدُّ أمرًا سيئًا، بل هو خُلُقٌ حميد وأسلوب لطيف وكريم في التعامل الإنساني، وإنما إذا تحول ذلك عند البعض إلى هوس أو حالة اجتماعية غير منضبطة، فسيختلط تأدية الواجب باستنزاف الذات وتبديد الطاقة في غير محلها، كما سيتداخل الكرم بالإسراف، وتتناقض فضيلة العطاء والمشاركة مع حدود النفس والعائلة اللتين لهما حقٌّ في الاهتمام والبقاء معهما والبذل لأجلهما.

وقد نبَّه بعض الحكماء من مغبة الإفراط في بذل الاهتمام للآخرين دون مقياس، فإذا غاب عن ذلك الاعتدال تحوَّل إلى اختلال في التوازن.

وحتى الصفات الحميدة إذا تجاوزت حدَّها أفقرت وأمرضت وأضرَّت، وهكذا يتبيَّن أن الاعتدال ليس خيارًا عابرًا، ولكنه جوهر الحكمة، والحياة لا تستقيم إلا بتبنِّي المسافة الصحيحة العاقلة التي تحفظ للإنسان معناه ومستواه وقيمته وحياته من الإسراف في أمره، كما أن بعض الناس مهما بذلت لهم واهتممت بهم لا يُثمر فيهم، بل يُسيئون فهم دوافعك، والبعض يرون في حضورك المستمر للمجالس رياءً واستعراضًا، ووجودك في المحافل حبًّا للظهور ولمآرب أخرى، والبعض إذا مددت يد العطاء والمساعدة لهم يحسبون كرمك حقًّا مكتسبًا لهم وواجبًا تؤديه لهم.

ولذا، فالزيادة عن الحد الطبيعي في أي شأنٍ تُعدُّ أمرًا غير مرغوب فيه وغير مستحسن ولا مستساغ، فكل شيءٍ زاد عن حدِّه انقلب ضدَّه، وهذا المثل يكشف عن فائدة التوازن في الحياة ويتجلَّى به المعنى الأعمق، فليس كل ما يُقدَّم بحسن نية يُفهم بحسن ظن، ولا كل معروف يُمنح يُحاط بتقدير أو يُقابل بامتنان.

والحل في أن يمنح المرء العطاء بقدرٍ محسوب دون أن يُبذِّر ماله، ويحضر المناسبات التي تعنيه وتناسبه وتمنحه قدره دون أن يُرهق نفسه ويُبدِّد وقته، ويُقدِّم العطاء دون أن ينتظر مردودًا أو يتوقَّع مقابلًا من أحد، ولا سعيًا لشهرة أو طلبًا لمديح أو كسبًا لصيت أو إعجاب، وأن يقسم المرء وقته الأسبوعي بطريقة صحيحة، فلا يستهلك نفسه ووقته فيما لا يفيد ولا ينفع، فيجعل لعائلته وأعماله الأولوية والنصيب الأوفر من الاهتمام، كما أن لنفسه عليه حقًّا في الاعتناء بها ورعايتها وأداء واجباتها المتنوعة من أجل حياة سليمة راضية مبهجة، ثم تأتي الحياة الاجتماعية للاندماج بها بمقدار، وغيرها من الأمور الحياتية المفيدة والتي يتطلب تفعيلها والاهتمام بها.

أما من يستمر من هؤلاء على حاله كما هو، لا يتغير بهذا الأسلوب، ويجامل الآخرين على حساب نفسه في خضم انشغالاته بهم وانغماسه بينهم، فلن تتحمَّل طاقته، ولن تصمد أمواله، ولن تتماسك قدراته، وإذا سقط طريح الفراش فلا أحد سينفعه، فما تلبث أن تنقطع عنه الزيارات للاطمئنان عليه، وسيتم نسيانه بعد حين وكأنه لم يكن، حتى الأبناء والزوجة والأهل سيعودون إلى جدولهم اليومي المعتاد، تاركينه في الغرفة وحيدًا يتأمل السقف، وإذا حضروا كان حضورهم للتحية على عجل، ويغادرون على عجل إلى شؤونهم.

هذه هي الحياة وهذا هو الواقع، ولذا فإن بذل الطاقة الكبيرة للناس، والمبالغة في التضحية لأجلهم، والحرص الدائم على مجاملتهم وإرضائهم، والركض خلفهم أينما كانوا، يتطلب كبح جماح ذلك، ولذا يكمن التعامل الصحيح في التوازن والاعتدال في كل الأمور، دون مبالغة أو تجاوز الحد المعتاد.

الأكثر قراءة

z