وهم الانشغال اليومي

 

 

 

مدرين المكتومية

نستيقظ صباحًا محمّلين بالكثير من الأعباء والروتين الحياتي الثابت، دون أن نشعر بما يحيط بنا من أشياء وأشخاص وتفاصيل. تحت كلمة "مشغول" أنا وأنتم والكثير منا نعيش لربما في هذه الزاوية غير الحقيقية. فمثلما نستيقظ نحن بهذه الطاقة والأعمال، يستيقظ أيضًا "أحمد" ليبدأ يومه على عجل؛ يفتح هاتفه قبل أن يفتح عينيه، ليتفقد المكالمات الفائتة ورسائله ومحادثاته، فيرد على بعضها ويترك البعض الآخر، لينطلق لعمله وليوم مليء بالازدحام والمهام الصغيرة من اجتماعات وأعمال. ينجز عملًا هنا، وينجز الكثير بعد أن انتقل من مهمة لأخرى، فيرد على الإيميلات وهاتف العمل دون توقف، ويشعر أنه أنجز الكثير والكثير؛ الشعور الذي يجعله يعيش حالة من التعب. وفي آخر اليوم يقف مع نفسه ليرى ما الذي أنجزه فعلًا...؟ فيكتشف أنه لا إجابة واضحة لكل ما قام به.

هذه ليست قصة "أحمد" ولا غيره من الأشخاص، وحسب؛ بل هي حالة واقعية للكثير من الأشخاص وبشكل يومي. فهم يرون الانشغال هو الإنجاز، وكلمة "مشغول" هي الشيء المرضي بالنسبة لهم، وكأنها دليل قطعي على أن هناك ما يعيشونه حقًا. لكن الحقيقة المُغيَّبة هي أن الانشغال لا تعني أبدًا "إنتاجية"، وكثرة الحركة والتنقل من مكان لآخر ومن مكتب إلى مكتب آخر لا يعني أبدًا التقدم، بل هذا يعني فعلًا أن هناك وهمًا يسمى "انشغال". فالمشكلة لا تعني أبدًا كثرة العمل وإرهاق العمل وتعب الإنجاز، بقدر ما تعني نوعية هذا العمل الذي قمنا به، لأن بيئات العمل اختلفت، ومع كل هذا الاختلاف أصبحت تكافئ الحضور والتواجد المستمر أكثر مما تكافئ الأثر الحقيقي لما تم. فطريقة الكلام وكثرة الاجتماعات والرد السريع والانشغال المتواصل تُرى وكأنها دليل على الجدية، وتصبح مع الوقت هي النجاح، خاصة وأن هناك بيئات عمل يكثر فيها عدد الموظفين، فيصبح من السهل أن يغرق موظفوها في المهام الصغيرة التي تستهلك وقتهم دون أن تضيف لهم شيئًا أو قيمة حقيقية لما يقومون به.

وبمرور الوقت نرى الكثير من الآثار الخاصة بهذا النظام وبشكل واضح؛ حيث يتشتت التركيز بسبب التنقل المستمر من مهمة لأخرى، وتُحجَّم الأعمال البسيطة لتكون أكبر من قيمتها، وتسهم في إعطاء شعور زائف وغير حقيقي بالإنجاز. والأصعب من ذلك، وربما الأخطر، هو أن البعض أصبح يربط قيمته الشخصية بمدى انشغاله، فيبدأ الشعور بالذنب يتسلل إلى داخله إذا توقف للحظة، وكأن الراحة أو التريث أو البقاء للحظة دون عمل هو تقصير في أداء العمل.

إننا نحتاج اليوم إلى إعادة تعريفنا بالعمل الحقيقي، وليس مزيدًا منه؛ لأن الإنتاجية والإنجاز الحقيقي لا يُقاسان، ولن يُقاسا بعدد المهام التي تمت، ولكن بقيمة ما تم إنجازه منها. لأن مهمة واحدة مركزة وعميقة ربما تكون أكثر تأثيرًا من يوم كامل مليء بالانشغال الموهوم والسطحي، لأن الانشغال أصبح لدى الكثير مسألة فرار من العمل الحقيقي ذي القيمة العظيمة والمردود الملموس. فلذلك علينا أن نعيد طرح السؤال الذي نتساءل لأنفسنا عنه بشكل يومي؛ بدلًا من أن نقول: كم عملت اليوم...؟ علينا أن نقول: ما الأثر الذي تحقق من الإنجاز الذي قمت به...؟

هذا التفكير هو بداية عمق حقيقي لفهم أن نكون "مُنتجين". وفي عالم سريع الإيقاع يجرّنا نحو مزيد من المهام، قد يكون التوقف للحظة والتفكير بعمق هو القرار الأكثر ذكاءً؛ لأن الفرق الحقيقي لا يحققه من يعمل أكثر، بل من ينجز عملًا ذا قيمة وأثر.

الأكثر قراءة

z