حين يغيب الكلام

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

نعيش واقعنا وتمرّ بنا الأيام والشهور، وقد انشغلنا بالكثير مما في الحياة من ملهياتٍ وأعمالٍ أخذتنا بعيدًا عمّن نحب، وخلقت فجوةً بين الأجيال، بل بين الأُسر والأفراد، أخذتنا برامج التواصل الاجتماعي فصرنا نقضي جُلّ وقتنا على الشاشات، أو في أوقات المتعة في الحياة بما نعشق ونحب، وتناسينا الضروريات في الحياة، وأخذتنا الحياة في بحرٍ تتلاطم أمواجه وصراعاته، وسط الزحمة والضوضاء وصخب الحياة.

وفي زحام الحياة وضوضاء العلاقات اليومية قد نصادف مواقف يحضر فيها الصمت أكثر من الكلام ويختفي فيها التعبير خلف ستار ثقيل من الحيرة أو الاعتزاز بالنفس أو حتى الألم، ولعلّ من أبرز صور هذا المشهد هو صمت الأخ أو الصديق ذاك الذي نقرأه أحيانًا على غير حقيقته فنظنه جفاءً أو قسوةً بينما في داخله مشاعر متشابكة قد يعجز عن الإفصاح بها، كم من مرة وجدنا أخًا او قريبًا وعزيزًا يجلس في زاوية المكان ينظر إلى الأفق بصمت تتزاحم في صدره الكلمات لكنه لا ينطق، نمرّ بجانبه فلا نسمع منه سوى تنهيدة عابرة فنحكم في لحظة تسرّع بأن صمته فتور أو ابتعاد غير أنّ الحقيقة غالبًا ما تكون أعمق بكثير وأرحم مما نتخيل.

الصمت أحيانًا ليس ضعفًا ولا هو برود في المشاعر قد يكون في داخله كبرياء يحمي صاحبه من البوح بماالابتعاد،و كرامة تمنعه من أن يضع قلبه عاريًا أمام الآخرين، فالأخ مهما كان قريبًا قد يحس أنّ في الاعتراف بالخذلان أو الحزن انكسارًا لهيبته أمام من يحب، وربما يرى أنّ بعض الهموم أكبر من أن تُقال وأنّ الكلام عنها لن يغيّر شيئًا فيكتفي بالسكوت وكأنّه يحاول حماية مشاعره بصندوق مغلق لا يملك أحد مفتاحه، ولعلّ في الأمر جانبًا آخر لا يقل أهمية فالألم أحيانًا يفقد صاحبه القدرة على التعبير فما أصعب أن تمتلئ الروح بالمواجع ولا تجد الكلمات طريقًا للخروج، يقول علماء النفس إنّ الصدمات المتراكمة تترك أثرًا نفسيًا يجعل المرء يختار الصمت لا لأنّه يريد الابتعاد ولكن لأنّ الجرح عميق إلى حدّ يعجز فيه الحرف عن حمله، وهنا يخطئ كثيرون حين يفسّرون صمت الإنسان بأنّه تخلٍّ أو جفاء بينما هو في الحقيقة محاولة صامتة للتماسك.

ثمّ هناك عزة النفس تلك الصفة المتأصلة في كثير من الأشخاص خصوصًا في مجتمعاتنا الشرقية حيث يُربَّى الأبناء على القوة والكبرياء، عزة النفس تجعل المرء يختار السكوت حين يشعر أنّ الكلام قد يُنقص من قدره أو يُظهر ضعفه أخوك أو صديقك الذي يصمت ربما يفعل ذلك لأنه لا يريد أن يُثقل عليك بأحماله أو لأنه لا يقبل أن يبدو ضعيفًا أمامك حتى وإن كنت أقرب الناس إليه، هنا تأتي أهمية "قراءة الصمت" نعم كما نقرأ الكتب والكلمات علينا أحيانًا أن نتعلم قراءة الصمت أن نترجم النظرات المتقطعة، والتنهدات العميقة وحتى محاولات الابتسام المصطنع، فالصمت لغة لا يتقنها إلا القريبون بحق أولئك الذين يمنحون قلوبهم فرصة لفهم ما وراء الكلام.

الإخوة والأصدقاء في النهاية ليسوا دائمًا بارعين في التعبير عن مشاعرهم، قد يحبك أخوك وصديقك حبًّا جمًّا لكنه لا يعرف كيف يقوله أو يخجل أن يظهر ضعفه أمامك، وربما يرى أنّ مواقفه العملية أهم من الكلام فيفضّل أن يعبر بحضوره ودعمه في الشدائد بدلًا من أن يغرقك بعبارات الودّ التي لا يجيد صياغتها، لكن مسؤوليتنا نحن أيضًا أن نمدّ الجسور نحوهم أن لا نتعجل الأحكام وألّا نحصر الحب في قوالب جاهزة من الكلام والابتسامات، علينا أن نقترب أكثر نسأل بلطف ونفتح قلوبنا بصدق فربّ كلمة صادقة أو حضن دافئ قد يذيب صمت سنوات، ويمكن أن نقول الصمت ليس دائمًا برودًا ولا يعني أبدًا غياب الحب، قد يكون أحيانًا أشدّ حضورًا من الكلام نفسه وصاحبه أكثر وفاءً مما نظن، لذلك قبل أن تفسّر صمت الطرف الآخر على أنّه جفاء تذكّر أنّ في قلبه ربما من الكرامة ما يمنعه عن البوح ومن الألم ما يعجز عن التعبير ومن الكبرياء ما يجعله يختار الصمت لغةً حين تعجز اللغات الأخرى عن حمل ما في داخله.

الأكثر قراءة

z