معضلة الوعي السياسي.. بين العزلة ومسؤوليّة الكلمة

 

 

 

د. يوسف الشامسي **

 

"في معترك الحروب، تسقط الحقيقة صريعةً قبل أي جسد".. مقولة تنسب لرائد التراجيديا الإغريقية أسخيلوس (456 ق.م)، وأُجزم لو عاد من قبره لذُهِل من هول التّضليل و"إبادة" الحقيقة والأجساد معًا، فبزيارة عابرة لمنصة أكس أملًا في تقصّي خيط من عُقَدِ العدوان الصهيوأمريكي على إيران، توقعتُ أن أقعَ على عواجلَ إخبارية، أو تحليلات رصينة، فإذا بالمنصة أشبه بالخنادق، سيل ٌ متفجّرٌ من التغريداتِ المشحونةِ، مسلمون ينهشون بعضهم بعضًا، لغة طائفية، وعبارات عنصرية وعرقية، وسجالٌ لا ينتهي من الشتائم المبتذلة. وفي أفضل الأحوال، جدلٌ عقيم بلغةٍ انقسامية تحريضية، لا تخلو من التخوين أو الاحتكام الأعمى للسلطة. هكذا استحكمت الكراهية بضجيجها، وسقطتْ المعلومة صرعى كما صوّرها تمامًا أسخيلوس قبل ألفي سنة أو يزيد.

لربما يجد البعض في الانكفاء على الذات وتجنب تقصّي الأحداث وعدم الخوض في النقاشات السياسية الشائكة ملاذا آمنا، وسبيلا للحفاظ على سلامة القلب وصفاء الذهن. فالمشهد السياسي الشرق-أوسطي الذي تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية بالعقائدية مشحونٌ دومًا بالأخبار المأساوية والصراعات المعقدة التي لا تورث النفس سوى الكمد والحسرة، واستثارةِ مشاعر الغضب والانفعال، وأحيانًا جلد الذات أمام عجزنا عن التغيير. كل ذلك يتسرب تلقائيا في حوارات وسائل التواصل، مما يجعل مناقشتها أو متابعتها عبئًا نفسيًا ثقيلًا يدفعنا أحيانا لنتساءل إذا ما كان الهرب والعزلة هما الحل الأمثل!

إن الدافع وراء الهروب والغزلة مفهوم تمامًا؛ فالعقل البشري له طاقة محدودة لاستيعاب المآسي، والقلب يكلّ من كثرة الحزن. والنفس تضيق بالغضب والانفعال، عندما يعيش العربيّ الحدث كرّة بعد كرّة، لا شكّ سيترسّخ في قرارته أن القوى العظمى "تتفرعن" كيفما تشاء في أرضه ولا رادع، والمؤامرات تُحاك على الملأ ولا مبالٍ، والشعوب المغلوبة تدفع الأثمان ولا معين. يشعر الفرد بضآلة تأثيره أمام هذه الأمواج المتلاطمة، فيغشاه الإحباط ويرى العبثية من أي نقاش، فمهما صدح لن يتجاوز صداه جدران المنصة ىالمتشظّية التي "يغرّد" فيها. لذا، تبدو العزلة خياره الوقائيّ الأصلح لحفظ توازنه النفسي من الانهيار. لكن، هل يفضي هذا النهج فعلًا لسلامة "حقيقية"؟

أزعم أن القضايا السياسية، لاسيَّما تلك التي تمس مصالح الوطن والمواطنين أو مصالح الأمة أجمع، لا يمكننا الفكاك منها بحال، ونقاشها -حسب تعبير هابرماس- تجسيدٌ للفعل التواصلي ذاته، أي جزء من الطبيعية البشرية وليست ممارسة سياسية محدودة، فالقضايا السياسية واقع يلقي بظلاله على الاقتصاد، والأمن، والثقافة، ومستقبل أبنائنا وأحفادنا من بعد. لذلك العزلة واللامبالاة -خصوصا ممن يملكون خيار المشاركة والتعبير ومن ثم التأثير- هو إقرارٌ بقبول بالواقع المرير، وتخلٍّ عن المسؤولية الجماعية في المساهمة -ولو بالرأي السديد- في تشكيل وعي جمعي قادر على تفكيك الأحداث والسرديات وإعادة صياغتها في "المجال العام" لخدمة الصالح العام. ناهيك من أن الانعزال يُخْلي الفضاءات العامة لذوي الأجندة المتصارعة الذين يجدون ضالتهم فيها حتى يخترقوا المجتمع، ويؤجّجوا الانقسامات، ويعذّوا المخاوف، فيُزيّفوا الحقائق ويوجّهوا الرأي العام بما يخدم مصالحهم الضيقة لا مصالح الأُمّة.

من هنا -وبالحديث عن المجال العام- ينبغي التأكيد على ضرورة توافر المناخ الصحيّ المحفّز لفضاءات عامة حرة ومسؤولة إذا ما أردنا فعلًا أن تكون فاعلة في إحداث التغيير المنشود، فالنقاشات على سبيل المثال في بيئات وسائل التواصل لن تتجاوز "صدى الغرف" لتصبح قوة فاعلة إلا باعتراف الأطراف ببعضهم شركاء متساوين في النقاش، أملًا في اتفاق عقلاني يخدم الصالح العام. يكون حينها الحوار أداةً جوهرية في السعي إلى التفاهم والتوصل للرأي الأصوب بقوّة الحجة وحسب لا إلى الغلبة أو الهيمنة وفرض وجهات النظر باستعراض العضلات البيانية أو بالحشد وتجييش الأتباع لمهاجمة ذوي الفكر المخالف. فالحاصل اليوم عند أدنى خلاف كما نرى، تتحول النقاشات إلى تراشق لفظي، وتُستدعى الهويات الضيقة عوضًا عن الحجج العقلانية والخطاب المتزن، مما يضعضع روابط المواطنة بين النسيج الواحد.

لذا.. في غاية الضرورة اليوم تعزيز الثقافة العامة للحوار البنّاء في مراحل مبكرة، ذلك عبر استراتيجيات متكاملة بدأُ بالتنشئة الأسرية، مرورًا بالمناهج التعليمية والمساجد، وصولًا إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل. فتعليم مهارات الاستماع، واحترام الرأي المخالف، والاحتكام إلى الحجة، ضمانٌ لاستقرار مجتمعنا وتماسكه، فهذه القيم كلها مستمدّة من جوهر ديننا الحنيف لنكون "أمة وسطا". كما أن تصميم سياسات إعلامية وتربوية تشجع النقاش الرصين، وتجرّم خطاب الكراهية، سيحصّن المجال العام من الانزلاق إلى لغة الإقصاء والعنصرية والطائفية التي بدأت تطفح مؤخرًا -نتيجة الجهل- لتحقيق أجندة العدو الصهيوأمركي ومشاريعه التي لم تعد تخفى على ذي عينين.

غير أن نقاشات وسائل التواصل ليست بديلًا عن الكيانات المؤسسية، فالقرارات التي تمس مصالح العباد لا ينبغي أن تُتخذ استجابة لانطباعات عابرة لمطالب تظهر في الفضاء المفتوح، بل يُفترض أن تمدّ نقاشات الفضاء العام -سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو سائر وسائل الإعلام- مؤسساتِ القرار -وفي مقدمتها المجالس التشريعية- بالرأي الأمثل والأصلح. فمجلس الشورى لدينا، بوصفه المؤسسة التمثيلية الشرعية، هو المكان الذي يفترض أن تُترجم فيه النقاشات العامة إلى سياسات وقوانين.

ومن ثمّ، ينبغي تعزيز صلاحياته وتمكينه من أداء دوره التداولي على نحوٍ فعّال، بحيث يستأنس بنقاشات المجال العام ويقيس اتجاهات الرأي، لكنه يبني قراراته على مداولات أعضائه ومشاوراتهم بوصفهم ممثلين منتخبين للشعب؛ فالمجال العام هو الذي يزوّد المجلس بالمدخلات، والمجلس من ثمّ يحوّلها إلى مخرجات تشريعية مدروسة، وأيّ اختلال في هذه العلاقة -إما بتهميش المجال العام، أو بتجاوز البرلمان لصالح ضغط شعبي آني- يُضعف البناء الديمقراطي برمته.

** أكاديمي بقسم الإعلام الجماهيري، بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى

الأكثر قراءة

z