التراجيكوميديا في الإعلام الأمريكي الساخر

 

 

 

د. يوسف الشامسي **

 

يبتدئ جون ستيوارت مقدم برنامج "ذا دايلي شو The Daily Show" حواره الكوميدي عن هدف ترامب في فنزويلا ساخرًا من محاولات مستشاري الرئيس تبرير العملية بـ"حقوق الإنسان" فيقول: "عادةً، نغلّف التَّدخلات بذريعة نبيلة: تحرير شعب، نشر ديمقراطية، أو تعريف اليابانيين على البيسبول! فما المبادئ الأخلاقية التي سنُؤطر فيها صراعنا في فنزويلا؟"، يقتبس بعدها تصريحًا لترامب: "سنتحكم بنفط فنزويلا.. سنخرج ثروة هائلة من الأرض... شركات النفط ستُعيد بناء النظام.. نحتاج وصولًا كاملًا إلى النفط". يرمي ستيوارت أوراقه في الهواء صارخًا "اللعنة! لم يعد بإمكاننا حتى أن نكون أصحاب نظريات مُؤامرة.. كنَّا نقول "أعتقد أنهم فعلوا ذلك من أجل النفط"، ليأتي ترامب ويقول: نعم، لقد فعلتها من أجل النفط!".

هذا الـ"مونولوج" الساخر- بقدر ما يختزل السياسة الهمجية الأمريكية التي باتت تفتقر لأبجديات الدبلوماسية في التعاطي مع الشأن الداخلي والخارجي- يكشف كذلك جانبًا من التحول الدرامي في البرامج المسائية الساخرة في التلفزيون الأمريكي؛ إذ لم تعد مسألة "خلق السخرية" لتفكيك الأحداث السياسية الجارية وتقديمها للجمهور في قالب كوميدي مبسّط بحاجة لعبقرية وحذاقة، فتصريحات "الزعيم" الخاوية من الاتساق المنطقي بذاتها كفيلة بقلب الجديّة الإخبارية لمُفارقة ساخرة.

هكذا يبدو تحول الإعلام الأمريكي الساخر في عهد ترامب من مرحلة "الدهشة" إلى مرحلة "التراجيديا الكوميدية". ما عاد الساخر بحاجة لجهد وفطنة في تلفيق وإتقان النكات، ولم تعد محاولة كشف الركاكة المنطقية في تصريحات الرئيس الهائج وسلوكه- الطافح بالمتناقضات- مسألة معقدّة؛ لذا أصبحوا يكتفون بعرض مدى سخافة المشهد بما ينطوي عليه من سخرية سوداء، مختزلين قرارات مصيرية تمس 340 مليون أمريكي إلى مجرد نزوات شخصية لعقاريّ مقامِر، يمكن تلمّس هذه النزعة في برامج "التوك شو" لجيمي فالون وسيث ميارز وستيفن كولبير  وغيرهم، خصوصا في تلك اللحظات التي ينزع فيها هؤلاء قميص التهكم والسخرية ليخاطبوا الجمهور بجديّة مُباشرة وبمشاعرهم الصادقة.

 

قبل أيام وجّه الإعلامي جيمي كيميل- وهو يحاول كبح دموعه- عبر برنامجه رسالة تضامن وتعاطف لسكّان مينيابوليس إثر مقتل الممرض أليكس بريتي من قبل عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (ICE)، وذلك بعد سخريته اللّاذعة من قناة "فوكس نيوز" واتهامها بالتضليل، داعيًا أتباع ترامب لنبذ تحيزاتهم والوقوف ضد "بلطجية" (ICE) والمطالبة بتحقيقات شفافة. هذا الأسلوب المشحون والمباشر- من المنظور الإعلامي- يبدو في غاية التأثير، فهو يشكّل صمّام تنفيس بالنسبة للمتعاطفين مع كيميل، فيعزز ارتباطهم العاطفي المنحاز أصلًا ضد سياسات ترامب، فيشعر المشاهد بأنَّ المذيع "واحدٌ منهم" يعبر عن غضبهم الشخصي، في الحين ذاته هو يرمي بالترفيه والفكاهة لملعب السياسة فيُتداول المقطع خارج نطاق جمهوره التقليدي ليصل للملايين، فيؤثر تلقائيا على الرأي العام في الداخل الأمريكي وفق ما يعرف بـ"التدفق على مرحلتين" والتداعيات التي يثيرها البرنامج ليتم بالتالي مناقشتها في وسائل الإعلام الكبرى في أمريكا سواء بالمدح أو القدح، مما يُساعد في تعبئة "اليسار" المشحون ضد ترامب، مكرّسًا في المقابل الانقسامات الداخلية في المجتمع الأمريكي. وتبقى المحصّلة الأهم في مثل هذا الأسلوب أنه-– وفق العديد من الدراسات الإعلامية- يزيد من قوة البرامج الساخرة كأداة سياسية تثير المجال العام.

وبغضّ النظر عن أنماط ومدى ذلك التأثير، يبقى المضمون شاهدًا على تحولٍّ في الخطاب ذاته، فأدوات السخرية لم تعد تشتغل كثيرًا لـ"فضح الحقيقة" لأجل تغيير السياسات العنصرية الترامبية، وإنما باتت تنشد "التعايش مع الكارثة"- كأقصى ما بيدها- عبر أفانين الضحك المبكي، فعوضًا عن دق جرس الإنذار والتهكّم بذلك السياسي "المتغطرس المجنون" الذي "يجب إيقافه!"- كما كان سائدا في فترة ترامب الأولى- تحولت الكوميديا إلى حالة أشبه بالرثاء، كما يصوّرها البرنامج التجسيدي الساخر (ساتردي نايت لايف Saturday Night Live)، ففي مشهد (في ذكرى الراحلين) من حلقة (جوائز ترامب) الساخرة، يدخل إيلون ماسك- يلعب دوره الممثل مايك مايرز- بدعوة من ترامب ليقرأ "رسالة تأبين" للفنانين الراحلين، على غرار المعمول به في جوائز الأوسكار؛ ولكن عوضًا عن رثاء شخصيات حقيقية، يصعد ماسك لرثاء مفاهيم "ماتت" مثل "الحقوق المدنية" و"آليات الرقابة والتوازن Checks and Balances"، وحلف الناتو، والجناح الشرقي للبيت الأبيض، وعضوة الحزب الجمهوري مارجوري تايلر التي كانت من أشد مؤيّدي ترامب إلى وقت قريب، حتى أصبحت من المنبوذين مؤخرًا بسبب انتقادها خطورة تأثير اللوبي الصهيوني بأمريكا، وعوضًا عن دمج العرض بخلفية حزينة؛ تظهر صور "الراحلين" على وقع الموسيقى المرحة والعبثية لبرنامج "أطرف الفيديوهات المنزلية الأمريكية America's Funniest Home Videos".

يوجز هذا المشهد الساخر قمة المفارقة في السياسة الأمريكية؛ إذ يُجسِّد انهيار الديمقراطية وكأنها "سقطة مضحكة" (Blooper) في برنامج ترفيهي، وينقلب الضحك فيه من أداة للمقاومة والتصدّي إلى بحثٍ يائس عن التطبيع والتكيّف مع مأساة جثمت على المشهد السياسي الأمريكي بطريقة مشروعة؛ حيث يقوم الجاني وأعوانه بتأبين ضحاياه "المعنويين" بابتسامته الباردة. هكذا أضحت البرامج الساخرة في الإعلام الأمريكي مساحة للتراجيكوميديا- إن جاز التعبير- وبقدر يأسها من طرح الحلول لإحداث التغيير المنشود وإصلاح عطب المنظومة البائسة، باتت تدوّن توثيقًا مباشرا للسقوط. وكأنها جوقة موسيقية على سفينة جانحة؛ تبدع موسيقاها جمالية واتقانا، في حين الجميع يدرك أنهم على مشارف الهلاك وأن السفينة تغرق؛ بيد أن الضحك هنا هو الطريقة الوحيدة للحفاظ على رباطة جأش العابرين على متن السفينة الترامبية، حتى النهاية.

** أكاديمي بقسم الإعلام الجماهيري بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z