الأمن الغذائي لا يُستورد.. بل يُزرع

خالد بن محمد بن حارب الجابري

الزراعة ليست قطاعًا هامشيًا يمكن التعامل معه كأي نشاط اقتصادي آخر؛ فهي أساس الغذاء، والغذاء أساس الاستقرار. وكل مجتمع لا يحمي مزارعيه ولا يدعم إنتاجه المحلي يضع أمنه الغذائي تحت رحمة الأسواق الخارجية وتقلباتها.

قبل سنوات، عندما كانت الدولة تقف إلى جانب المزارعين بالدعم المناسب، وتوفر الأراضي الزراعية، وتخفض تعرفة الكهرباء، وتوجد مراكز لتسويق المنتجات الزراعية، كان المزارع يعمل ويجتهد في أرضه بثقة. وكانت الأسواق تمتلئ بالمنتجات المحلية الطازجة، وتصل إلى المستهلك بأسعار مناسبة وجودة معروفة. كان المزارع ينتج وهو مطمئن أن هناك منظومة تحمي جهده وتضمن وصول محصوله إلى السوق.

لكن هذه المعادلة تغيرت مع مرور الوقت. فبعد رفع بعض أوجه الدعم، وإغلاق مراكز التسويق الزراعي، وارتفاع تعرفة الكهرباء، تضاعفت التكاليف على المزارعين، وأصبح المزارع يواجه السوق وحده. ومع غياب جهة تتولى تنظيم التسويق، أصبح كثير من المزارعين يبيعون منتجاتهم بأسعار متدنية أو يتكبدون خسائر، الأمر الذي دفع بعضهم إلى إغلاق مزارعه، واضطر آخرون إلى تقليص إنتاجهم.

المشكلة لم تكن يومًا في الأرض ولا في خبرة المزارعين؛ بل في غياب منظومة متكاملة تدعم هذا القطاع الحيوي؛ فالمُزارِع قادرٌ على الإنتاج، لكن الإنتاج وحده لا يكفي إذا لم يجد طريقه إلى السوق بشكل منظم وعادل.

والحقيقة أن الزراعة في العالم اليوم لم تعد قطاعًا ثانويًا؛ بل أصبحت أحد أهم ركائز الاقتصاد العالمي، لأنها تمس الغذاء الذي يحتاجه كل إنسان يوميًا. لذلك فإن دعم الزراعة ليس عبئًا على الدولة؛ بل استثمار في الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.

إن معالجة هذا الملف لا تحتاج إلى حلول معقدة بقدر ما تحتاج إلى تنظيم واضح للأدوار؛ إذ إن وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه يقع عليها الدور التخطيطي والتنظيمي في تطوير القطاع الزراعي والحيواني، ووضع السياسات التي تدعم الإنتاج المحلي وتوفر البيئة المناسبة للمزارعين. كما يمكن لـ الجمعية الزراعية العُمانية أن تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم المزارعين وتمثيلهم، وأن تكون حلقة الوصل بينهم وبين الجهات الحكومية.

وقد أثبتت التجارب في كثير من الدول الأوروبية والآسيوية والعربية أن الجمعيات الزراعية كانت عنصرًا أساسيًا في تطوير الزراعة وتنظيم الإنتاج وتسويق المنتجات، وكانت شريكًا حقيقيًا للحكومات في إدارة هذا القطاع الحيوي.

ولا يمكن كذلك تجاهل التحدي الكبير الذي يمثله ارتفاع تعرفة الكهرباء على المزارعين ومربي الثروة الحيوانية؛ فالكهرباء عنصر أساسي لتشغيل الآبار وأنظمة الري والمزارع الحيوانية. وإذا أردنا قطاعًا زراعيًا قويًا قادرًا على دعم الاقتصاد الوطني، فلا بد من إعادة النظر في هذا الجانب وتخفيف الأعباء التشغيلية عن المزارعين.

كما أن الاعتماد الكبير على المنتجات المستوردة أصبح اليوم مصدر قلق حقيقي، خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة وما نتج عنها من شح في بعض الموارد والمنتجات الزراعية. هذه الظروف كشفت بوضوح مدى خطورة الاعتماد المفرط على الخارج في تأمين الغذاء. ولو تم التعامل مع مشكلات القطاع الزراعي ومعالجة تحدياته منذ سنوات، وتعزيز الإنتاج المحلي بالشكل المطلوب، لما وجدنا أنفسنا اليوم أمام هذه الضغوط والتحديات في توفير بعض المنتجات.

إنَّ بناء قطاع زراعي قوي ليس خيارًا ثانويًا؛ بل ضرورة استراتيجية، خصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة والعالم من اضطرابات قد تؤثر على سلاسل الإمداد الغذائي. فالدول التي تمتلك إنتاجها الغذائي تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

المُزارِع في بلادنا لا يطلب المستحيل؛ بل يطلب بيئة عادلة يستطيع من خلالها أن يعمل وينتج. وإذا وجد الدعم والتنظيم المناسبين، فإن الأرض ستعطي، والمزارع سينتج، وسيكون لدينا قطاع زراعي قادر على توفير الغذاء للمجتمع ودعم الاقتصاد الوطني بثقة واستقرار.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z