صالح بن سعيد الحمداني
مهما بدا الطريق طويلًا ومهما تعاقبت الصعوبات وتعقدت المسارات تبقى العزيمة هي الفارق الحقيقي بين من يكتفي بالمشاهدة ومن يقرر خوض التجربة حتى نهايتها، فالتاريخ الإنساني قديمًا وحديثًا، لم يُكتب بأسماء المترددين ولا بمن وقفوا على الشاطئ يراقبون الأمواج وإنما خُطّ بأقدام أولئك الذين آمنوا أن الوصول لا يُمنح وإنما يُنتزع بالصبر والإصرار والعمل المتواصل.
في عالم تتسارع فيه المتغيرات وتتكاثر فيه التحديات لم يعد الطريق إلى النجاح مفروشًا بالوعود ولا محميًا من العثرات، وعلى العكس تمامًا أصبح مليئًا بالاختبارات النفسية قبل المهنية، وبالأسئلة القاسية قبل الإجابات المريحة، وهنا تظهر قيمة العزيمة بوصفها طاقة داخلية تدفع الإنسان إلى الاستمرار، حتى حين تتضاءل الفرص وتبدو النهاية بعيدة أو غامضة، صاحب العزيمة لا يتراجع عند أول عقبة، ولا يفسر الصعوبة على أنها إشارة للتوقف، هو يدرك أن العمق مخيف، وأن الغوص في التحديات يتطلب شجاعة مضاعفة، لكنه يؤمن في الوقت ذاته أن الكنوز لا توجد على السطح، لذلك يمضي بثبات، متصالحًا مع فكرة التعب، ومتفهمًا أن الطريق الطويل ليس دليلاً على الخطأ ولكنه في كثير من الأحيان دليل على قيمة الهدف، ولعل أخطر ما يواجه الإنسان في رحلته ليس الفشل بحد ذاته وإنما الخوف من المحاولة.
فكم من مشروع لم يولد وكم من حلم تلاشى ليس بسبب نقص الإمكانات، وإنما بسبب الخشية من المجازفة، هنا تبرز العزيمة كحالة ذهنية قبل أن تكون سلوكاً عملياً؛ هي قرار داخلي بالاستمرار مهما كلف الأمر، وإيمان راسخ بأن السقوط مرحلة لا نهاية.
في السياق الاجتماعي نرى أن المجتمعات التي تقدّر العزيمة وتحتفي بالمثابرة هي الأكثر قدرة على النهوض والتجدد، فهي تربي أفرادها على الصبر، وتغرس فيهم قيمة المحاولة، وتكسر الصورة النمطية التي تربط النجاح بالسهولة أو الحظ.
وفي المقابل فإن المجتمعات التي تخشى المخاطرة أو تجرّم الفشل، تساهم ـ دون قصد ـ في إنتاج أجيال تتردد أكثر مما تبادر وتخشى العمق أكثر مما تستكشفه، أما على المستوى الفردي فإن العزيمة تشكّل البوصلة التي تعيد توجيه الإنسان كلما ضل الطريق، هي التي تمنحه القدرة على الوقوف مجددًا بعد كل تعثر، وتساعده على تحويل الألم إلى خبرة والخسارة إلى درس، فصاحب العزيمة لا يسأل "لماذا حدث لي هذا؟" بقدر ما يسأل "ماذا يمكنني أن أتعلم؟ وكيف أواصل؟"
ولا يعني التمسك بالعزيمة غياب الخوف أو الشك، فهذان شعوران إنسانيان لا مفر منهما، لكن الفرق يكمن في القدرة على المضي قدمًا رغم وجودهما فالشجاعة الحقيقية لا تعني انعدام الخوف ولكنها تعني عدم السماح له بشلّ الإرادة أو إيقاف المسير، إن الوصول في نهاية المطاف ليس محطة واحدة بقدر ما هو سلسلة من الانتصارات الصغيرة التي تتحقق كل يوم، هو ثمرة الإصرار على الاستمرار حين ينسحب الآخرون، والجرأة على المحاولة حين يكتفي البعض بالتبرير، والثقة بأن كل خطوة ـ مهما بدت بطيئة ـ تقرّب صاحبها من الهدف، وهكذا يبقى الطريق الطويل اختبارًا حقيقيًا للعزيمة وتبقى التحديات بوابة لا يعبرها إلا من آمن أن البحر لا يكشف أسراره إلا لمن يجرؤ على الغوص… ويصرّ على الوصول، لا لمن يقف على الشاطئ.
