مدرين المكتومية
في إحدى قرى عُمان القديمة، كان أبناؤها يجتمعون كل يوم مع غروب الشمس في مجالسها البسيطة المبنية من الطين، يتناقشون في قضايا مجتمعهم البسيط ويتبادلون القصص والحكايات التي تحمل في طياتها وسطورها تجارب الحياة وحكمها؛ فكانت الحكايات والقصص تمثل آنذاك وسيلة أساسية لحفظ الذاكرة وتوريثها للأجيال، ومع مرور الوقت والزمن تغيرت هذه الوسائل والطرق، لكن القصة والحكاية بقيت حاضرةً إلى الآن، تُسرد وتنتقل من المجالس الشعبية لشاشات التلفاز ومنها تصل لجمهور أوسع وأكبر وأشمل لتواصل أداء دورها الاجتماعي والثقافي.
ومن بين هذه الأعمال التي أعادت لنا القصة وسردت لنا الحكاية فسجلت حضورًا لافتًا في هذا الشهر الفضيل، هو مسلسل "القافر" المأخوذ عن الرواية العُمانية "تغريبة القافر" للروائي والكاتب زهران القاسمي، وهي الرواية نفسها التي حصلت على الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2023؛ حيث نجح هذا العمل التلفزيوني في تحويل النص الأدبي الكتابي لتجربة بصرية درامية مميزة استطاعت أن تنقل روح الرواية وتفاصيل الشخصيات وأجواءها إلى الشاشة العُمانية مع حفاظها على البيئة والعمق الإنساني لهذه الشخصيات.
الرواية التي تناولت العلاقة الخاصة بين الأرض والماء والإنسان في البيئة العُمانية والقرى البسيطة، استطاعت أن تجد مساحة جديدة للتعبير عبر الدراما والتي جعلت من القصة شكلا حقيقيا يمكن لشخص أن يعيشه قبل أن يتخيله وهو يقرأ كلمات الرواية، وهو ما جعل تلك القصة قريبة من الجمهور.
وما يُميِّز المسلسل هو جمالياته البصرية الواضحة حيث كان للتصوير دور كبير في إظهار وإبراز ملامح الأمكنة العُمانية بكل تفاصيلها المختلفة؛ بدءًا من طبيعة القرى الجبلية البسيطة وحياة البدو الرحل، ومرورًا بالأزياء واللهجات العُمانية، وانتهاءً بالآبار ونظام الأفلاج الذي كان يمثل جزءًا مهمًا في التاريخ الاجتماعي العُماني. هذا الاهتمام بتفاصيل المكان أعطى العمل مصداقية كبيرة، وجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من هذا العمل وأنه يعيش داخل هذه البيئة التي تتحرك فيها الشخصيات ولكنه يتخيل حياة أجداده ذات يوم، ومن بين ما هو مهم هو طريقة الإخراج التي حرص فيها المخرج أن يقوم ببناء المشاهد بعناية مطلقة، وبإيقاع درامي متزن يسمح للشخصيات أن تتطور وتتقدم بشكل طبيعي ليكشف بذلك أبعادها الإنسانية. وعلى مستوى الأداء، فقد ظهر أن هناك انسجام واضح بين ممثلين العمل والشخصيات التي قاموا بتجسيدها، بحيث إن كل ممثل استطاع أن يمنح دوره مظهرًا وحضورًا مقنعاً ينسجم مع طبيعة القصة وخلفيتها الاجتماعية، وهو ما ساهم في خلق حالة من التفاعل الحقيقي بين الأحداث والشخصيات.
ويمكن القول إن تجربة "القافر" تؤكد أهمية الاستثمار في الدراما بشكل عام وفي الدراما العُمانية بشكل خاص، والعمل والاهتمام بتحويل الأعمال الأدبية والروايات العُمانية لإنتاجات درامية مميزة، يمكنها أن ترسم للمشاهد تفاصيل قصة وحكاية لم يَعشها، وأن تعيد له تفاصيل رواية ترددت على مسامعه لكنه لم يشاهدها، خاصةً وأن مثل هذه الأعمال لا تكتفي بتقديم الترفيه فقط، بل هي تسهم في إعادة تعريف الهوية الثقافية العُمانية وتفتح الفرص لمناقشة قضايا المجتمع المختلفة، وتربط الإنسان وعلاقته بالبيئة إلى التحولات الاجتماعية التي تسهم في تشكيله، وبذلك لا تصبح الداما فقط وسيلة ترفيهية بقدر ما هي جسر بين الواقع والأدب، ومنصة تعيد الحكاية بروح معاصرة تصل للمشاهد داخل سلطنة عُمان وخارجها.
