حسين بن محمد بن حسن اللواتي **
ماذا لو لم تكن القيادة كما نتصورها؟ ماذا لو أنَّ الألقاب على أبواب المكاتب، والخطابات الرسمية، ومظاهر السلطة ليست بالضرورة دليلًا على القيادة؛ بل تعكس الموقع الوظيفي فقط؟ وماذا لو أن كثيرًا ممن نطلق عليهم "قادة" يمارسون أدوارهم بأسلوب إداري يركّز على إنجاز المهام، بينما تظل هناك مساحة أوسع لقيادة أكثر عمقًا وتأثيرًا؟
وماذا لو كان إدراك هذا الفرق هو بداية التحول؟
هذا المقال يفتتح سلسلة تقوم على سؤال بسيط لكنه ثري بالإمكانات: ماذا لو؟ ليس بهدف النقد؛ بل للتحفيز. وليس لتسليط الضوء على التحديات فقط؛ بل لفتح آفاق جديدة نحو تطوير المُمارسة القيادية وتوسيع أثرها.
لأنَّ القيادة في جوهرها ليست لقبًا؛ بل علاقة. وفي كثير من المؤسسات، تُبذل جهود كبيرة لإدارة الأعمال وتحقيق المستهدفات، وهو أمر مهم بلا شك. لكن ماذا لو أضفنا بُعدًا آخر؟ بُعد الإلهام، وبناء المعنى، وتنمية الإنسان؟
عندها، ننتقل من إدارة الأفراد إلى إشراكهم، ومن الاستماع المحدود إلى حوارات أوسع، ومن الحفاظ على الإمكانات إلى إطلاقها، وهنا يبدأ الأثر الحقيقي في الاتساع.
وماذا لو نظرنا إلى القيادة كرافعة أداء واضحة بالأرقام؟
تشير الدراسات إلى أنَّ القيادة الفعّالة تسهم في رفع الإنتاجية، وتعزيز الارتباط الوظيفي، ودعم استقرار الكفاءات. بل ويُشار إلى أنَّ القيادة الفعّالة قد تُعزز الإنتاجية بنسبة تصل إلى 50%، وترفع الارتباط الوظيفي بنحو 30%، وتزيد من الاحتفاظ بالموظفين بنحو 20%" وهو ما يعكس حجم التأثير الممكن عند ممارستها بوعي.
ماذا لو استحضر من أوكلت إليهم المسؤولية أن أدوارهم فرصة لخدمة أوسع؟ ماذا لو فُهمت القيادة ليس فقط كإدارة للمهام؛ بل كمسؤولية لتمكين الناس ودعمهم؟ خاصة في القطاعات المرتبطة بالخدمة العامة، حيث تتجاوز الأهداف حدود المؤسسة لتلامس حياة الناس. فالمواطن ليس مجرد مستفيد؛ بل هو محور القيمة وشريك في تحقيق الأثر.
ماذا لو أصبح السؤال مع كل قرار: كيف نضيف قيمة حقيقية للناس؟ وماذا لو استعاد القادة تجاربهم الأولى حين مُنحوا الفرصة، ووُثِق بهم واختاروا أن يمنحوا هذا الأثر ذاته لمن يعملون معهم؟
هنا تتجلى القيادة العلائقية، وهي نظرية تسلط الضوء على قيادة تقوم على الثقة، وتعزز التواصل، وتستثمر في الإنسان باعتباره جوهر النجاح. قيادة تدرك أنَّ النتائج المستدامة تبدأ من بيئة يشعر فيها الأفراد بالتقدير والانتماء والقدرة على الإسهام.
ينصتون… يمكّنون… ويفتحون المجال للنمو. وبذلك، يتحول العمل من أداء واجب إلى تحقيق رسالة.
تخيل هذا التحول على نطاق أوسع: ماذا لو انتقلت المؤسسات من الإدارة التبادلية إلى القيادة العلائقية؟ ماذا لو أصبحت القيادات والمسؤولون في دوائرهم وأقسامهم ممكنين للآخرين، داعمين للنمو، ومحفزين على الابتكار؟ ماذا سيعني ذلك لمستوى الأداء؟ لجودة الخدمات؟ لتجربة المستفيد؟ وماذا يمكن أن يعني لتحقيق رؤية "عُمان 2040"؟
لأن الرؤى لا تتحقق بالاستراتيجيات وحدها؛ بل بطاقات الناس وإيمانهم بدورهم وهنا يكمن الاقتصاد المستدام بالكادر البشري والعمل على تغيير الفكر والذهنية.
ومن هنا تبدأ هذه السلسلة بسؤال مفتوح يحمل فرصًا كبيرة: ماذا لو كان ما نمارسه اليوم نقطة انطلاق نحو مستوى أرقى من القيادة؟
في المقالات القادمة، سنستعرض ممارسات يمكن تطويرها لننتقل من "الواقع الحالي" إلى "الإمكان الممكن".
ماذا لو تحوّل التوجيه إلى تمكين؟ ماذا لو أصبحت المساءلة مسارًا للنمو؟ ماذا لو اتسعت مساحات الحوار؟ ماذا لو أصبحت الثقة محركًا للأداء؟
والأهم: ماذا لو استثمرنا في القيادة كأداة لتوسيع الأثر وتحقيق قيمة مستدامة؟ ليس فقط لإدارة العمل؛ بل لخدمة الناس، ولإضافة قيمة حقيقية، ولبناء مستقبل يتجاوز اليوم؛ لأن القيادة ليست موقعا؛ بل فرصة لصناعة الفرق. وهذا الفرق يبدأ دائمًا بسؤالٍ: ماذا لو؟!
** عضو في مجلس الشورى
