د. شيرين النوساني **
لم أكن أبحث عنها. كنت أجتاز الركن البعيد من جناح الناشر، حيث توضع الإصدارات الجديدة في تواضع، بعيدًا عن الأضواء المسلطة على الروايات الكبرى. التقطته بدافع لا أعرف مصدره. ربما لأن العنوان يحمل نقيضين: العطر لا ينتج شظايا، والزجاج لا يعبق. تناقض يستفز.
فتحتُ الصفحة الأولى. ثم الثانية. ثم وجدت نفسي بعد ساعة لم أغادر مكاني. أغلقت الكتاب ونظرت إلى الغلاف مجددًا: د. فاطمة الزهراء جمال الدين. اسم لم أسمع به من قبل. لا جائزة شهيرة تسبقه، ولا ضجة إعلامية تحيطه. فقط نصٌّ يتنفس في صمت.
ربما لهذا علق في ذهني. فالكتاب، مثل لقائنا به، يحتفل بالصدفة: ابنة تكتشف مذكرات أمها بالصدفة، امرأة تجد رسالة والدها بالصدفة بعد عقود، طفلة تخرج لاستقبال أمها فتفقدها إلى الأبد. حتى العنوان – شظايا عطر – يحمل نقيضين: العطر لا ينتج شظايا، والزجاج لا يعبق. تناقض يستفز، لكنه يختزل فكرة الكتاب كلها: أن ما يبقى بعد الفقد ليس الجوهر، بل شظاياه. وأن الذاكرة، كما ستخبرنا هذه القصص، ليست استعادة للماضي، بل هي أن نحمل الموتى معنا في هواء الغرفة، في تجاعيد الجبين، في زجاجة عطر انكسرت منذ عشرين عامًا ورائحتها لا تزال هناك.
هذه القراءة ليست تكريمًا، بل محاولة لفهم: لماذا ظل هذا الكتاب عالقًا في ذهني بعد أن غادرت المعرض؟ وما الذي تفعله الذاكرة حين تُزرع في سرد مؤنث يكتب الفقد كأنه الجسد الوحيد الممكن؟
تمتلك الكاتبة أذنًا موسيقية نادرة. لغتها تميل إلى التكثيف التصويري، وتقطن في منطقة وسطى بين السرد والقصيدة. في قصة «صباح بلا جريدة» تقول: «احتضنت ذلك الهواء الذي يخلو من ساقيه». الجملة موجعة، ليس لأنها تصف الفقد، بل لأنها تجعل القارئ يرى الكرسي الخالي، ويشعر بالهواء الذي لا يكتمل. هذه هي الذروة التي ينبغي أن تطمح إليها القصة القصيرة: الإيحاء بدل التصريح، الجسد بدل الشرح.
لكن هذه الحساسية العالية لا تتوزع بالتساوي. ثمة نصوص تظل أسيرة اللغة الإنشائية، فتتحول المشاعر إلى بيانات تُلقن، لا إلى تجارب تُعاش. في «خزانة الأحزان» مثلًا، تعلن الكاتبة أن الحزن وقود إبداعها، لكن القصة لا تمنحنا مشهدًا واحدًا يثبت ذلك؛ نقرأ الاستنتاج قبل أن نعايش المعاناة. وهنا تكمن المفارقة: الكاتبة التي تجيد بناء المشهد في «منزل الحاج إيفانوفيتش» و«صديقتي ذات الوجه البشوش»، تقع أحيانًا في فخ التقريرية، فتخبرنا بما ينبغي أن تشعرنا به.
تقدم المجموعة نموذجين متقابلين للذاكرة المؤنثة.
النموذج الأول تمثله الأم في القصة الافتتاحية «صديقتي ذات الوجه البشوش»: ذاكرة لا تحتفظ بالأسماء والطرقات، لكنها لا تنسى الوجه. إنها ذاكرة الجسد، الذاكرة التي تسبق اللغة. عندما تنادي الأم ابنتها «صديقتي ذات الوجه البشوش»، فإنها لا تخطئ؛ هي تعيد تعريف العلاقة من أسفل، من مكان أكثر صدقًا من التسميات الاجتماعية. الحب هنا ليس ابنًا للذاكرة، بل الذاكرة هي ابنة الحب.
النموذج الآخر هو ذاكرة «خضرة» في قصة «عروستي». هنا الذاكرة ليست ملجأً بل سجنًا. خضرة لا تستطيع النسيان، لكنها أيضًا لا تستطيع تحويل الذكرى إلى وعي ناقد. تعرف أنها ظلمت، لكنها لا تعرف كيف تسمي الظالم. تظل تردد: «الظلم قرار إن رضيته ففيه الممات». إنها تعرف أن الرضا موت، لكنها لا تعرف كيف ترفض دون أن تدفع الثمن مجددًا.
بين هاتين الذاكرتين تتحرك بقية الشخصيات: ناتاشا التي تختار ألا تبيع ذاكرة والدها، وسوسن التي تعيد النظر في رفضها بعد أن تحطم زجاجة العطر، وأم «فلسطين» الصغيرة التي تخرج لتشتري الخوخ فلا تعود.
تُسجَّل المجموعة على أنها «قصص قصيرة»، لكن قراءة متأنية تكشف عن تنوع نوعي.
ثمّة نصوص تملك بنية درامية واضحة: بداية، أزمة، تحولًا، نهاية مفتوحة على التأويل. الرسالة التي يتركها الأب لابنته، ثم لبيته، في «منزل الحاج إيفانوفيتش» هي من أجمل ما كُتب عن العلاقة بين الإنسان والمكان في السرد العربي الحديث. يكتب الأب لبيته: «اعلم يا صديقي أن كثيرًا من حولي قد وصفوني بالجنون... لا يعلمون أنك عزيز علي بمقدار حبي لمن سكنوك، أثناء كثيرًا لماذا لم يُتهم الشعراء القدماء بالجنون عندما كانوا يقفون على الأطالل يبكون الحبيب». هذه الرسالة المؤجلة، التي تكتشفها الابنة بعد عقود، تحوّل المنزل من كيان مادي إلى كائن حي له ذاكرة ومشاعر.
وفي المقابل، ثمة نصوص خاطفة تكتب بانطباعية، وتصلح كاستراحات بين النصوص الكبرى. وثمة نصوص أخرى تقترب من المقالة السردية، أفكارها نبيلة ورسائلها إنسانية. هذا التعدد ليس عيبًا، بل مؤشر على كاتبة لا تزال تبحث عن شكلها الأصيل.
«عروستي» هي ذروة المجموعة، وأكثر نصوصها إزعاجًا. ليس لأنها تصف فظاعة ما حدث لخضرة، بل لأنها تصف دون أن تدين.
خضرة تُزَف إلى ابن العمدة، تكتشف أنه لا يريدها؛ بل يريد دارها ودوارها، تفقد طفلتها، تُصاب بانهيار نفسي، وتقضي بقية عمرها في مستشفى للأمراض العقلية، تحتضن عروسة طفولتها. ما يزعج حقًا أن القصة تروي هذا كله بصوت ضحيتها، بصوت من لا يملك إلا البكاء والغناء. تغني لخضرة: «الحلم قطار إن لم تلحقه فات / والظلم قرار إن رضيته ففيه الممات». ترددها كأنشودة لا تنتهي، حتى في المشفى، حتى وهي مربوطة كعرائس الماريونت، حتى آخر لحظة قبل أن تلفظ أنفاسها وابتسامة ملائكية على شفتيها. لا أحد يحاكم العمدة. لا أحد يسأل: كيف سمح المجتمع بذلك؟
السرد يختار أن يكون مرثية، لا محاكمة. وهذا خيار جمالي مشروع، بل هو الأكثر صدقًا مع شخصية لا تملك أدوات المواجهة. القارئ يخرج من القصة حزينًا، لكنه أيضًا يخرج سائلاً: كم خضرة لا تزال تحتضن عرائسها في صمت؟ المشهد الختامي، حيث تُربط خضرة كعرائس الماريونت، ثم تلفظ أنفاسها الأخيرة وابتسامة ملائكية على شفتيها، هو من أكثر المشاهد إيلامًا في المجموعة كلها.
«شظايا عطر» مجموعة واعدة، تكتبها امرأة تملك صوتًا خاصًا، ووعيًا حادًا بالتفاصيل الصغيرة، وقدرة على تحويل اليومي إلى أسطوري. هي، في نهاية المطاف، تدور حول سؤال واحد: ماذا يبقى حين يفقد المرء كل شيء؟
والإجابة، على لسان شخصياتها، تأتي هادئة وموجعة: تبقى الشظايا. تبقى رائحة العطر. كما تقول إحدى الشخصيات: «ما زالت رائحة العطر تعبق في الستائر والأثاث، تأبى أن تزول». عطر الأم التي تنسى كل شيء إلا وجه ابنتها: «صديقتي ذات الوجه البشوش». عطر الأب الذي يكتب رسالة حب إلى بيته. عطر الخوخ المتساقط من يد أم فلسطينية: «يتساقط من يديها كيس ثمار الخوخ واحدة تلو الأخرى». عطر العروسة البلاستيكية التي تنتظر أربعين عامًا حتى تسمع صوت من يغني لها.
في معرض الكتاب، عندما أمسكتُ النسخة ودفعت ثمنها، لم أكن أعرف أنني أشتري أربعين عامًا من امرأة وضعت جرحها في كلمات. الآن أعرف. سأعيد قراءتها يومًا ما، ربما حين أكون مستعدة لرائحة العطر التي تأبى أن تزول.
لأن الذاكرة، كما تعلمنا هذه النصوص، ليست استعادة الماضي. الذاكرة هي أن نحمل الموتى معنا، في هواء الغرفة، في تجاعيد الجبين، في زجاجة عطر انكسرت منذ عشر سنوات ورائحتها لا تزال هناك.
د. فاطمة الزهراء جمال الدين تكتب كمن يزرع زجاجًا، وتنتظر أن يُنبت عطرًا. وهذا، في زمن يكتب فيه الجميع ليُسمع صوتهم، هو أكثر ما يستحق التأمل. فالكاتبة، مثل شخصياتها، تعرف أن ما يبقى ليس الصوت العالي، بل الشظايا التي تظل تعبق في الذاكرة، تأبى أن تزول.
** أكاديمية وناقدة مصرية
