سالم بن نجيم البادي
بعد صلاة الفجر في ذلك اليوم وجدت أبي ينتظرني في صالة المنزل، جاء ليخبرني أن مطوع المسجد أسرَّ إليه بأنَّ فلانة توفيت، وأن علينا الذهاب لحضور مراسم الدفن.
ومن عادتي السيئة النوم بعد صلاة الفجر، ومن عادة أبي القلق والاستعجال كلما أراد الذهاب إلى مهمة ما.
وصلنا إلى موقع المقبرة، فإذا نحن في حضرة الموت. ومنذ أن ماتت أمي نشأت بيني وبين المقبرة علاقة لا أستطيع تفسير كنه هذه العلاقة؛ هل هي شوق أو حنين أو رهبة أو انجذاب غير إرادي؟ ربما حدث هذا لكثرة زياراتي لقبر أمي.
حين وصلنا نزل أبي من السيارة للسلام على أقرانه وأقربائه، فبقيت في السيارة.
في حضرة الموت لا مزاج لي للمجاملات والأخبار والعلوم، ولا حتى للكلام، والأبصار شاخصة في انتظار وصول الجثمان.
جموع غفيرة، وسيارات تقف بطريقة عشوائية، وتوافد الناس لا يزال مستمرًا، وهم يسلمون على بعضهم ويتحدثون كثيرًا ويتبادلون التحيات.
حين وصول الجثمان بدأ الحديث همسًا عن اتجاه القبلة، وعمن سوف يصلي بالنَّاس صلاة الجنازة، وهل وصل جميع أقارب المتوفاة أم لا.
لامني أحدهم لأنني أصلي ولم أخلع نعليَّ، وصاح آخر من أجل تعديل الصفوف، وأمرنا آخر بأن نتقدم قليلًا في الصفوف، واقترح آخر بأن نتأخر. لم ينتهِ هذا الجدال إلا بعد أن كبر الإمام التكبيرة الأولى.
لست في وارد لوم الناس، فهم أحرار في تصرفاتهم، أنا فقط لا أستطيع مجاراتهم؛ فنحن في حضرة الموت المهيب، ونخطو نحو المقبرة التي صارت بيني وبينها علاقة ما، كما أخبرتكم.
بعد الصلاة تسابق الناس للمشاركة في حمل الجثمان، وظل بعضهم يهرول ويحاول الإمساك بالجثمان.
حين وصل الجميع إلى المقبرة ثار سباق جديد من أجل المشاركة في الدفن، وعلت الأصوات بالاقتراحات: وسّع اللحد من هنا، زد في مساحة القبر، أنزل الجثمان برفق، ابتعد حتى لا يحدث انهيار في التربة من أعلى القبر.
آراء واقتراحات وتنافس شديد للمشاركة في الدفن؛ من ينتزع أدوات الحفر بالقوة يُريد أن يساهم في الدفن.
اتخذت مكانًا قصيًا أراقب الناس. يجلسون في دوائر يتبادلون الأحاديث، وشاب ملثم شدّ انتباهي مدى حزنه ولا تركيز نظراته داخل القبر.
كنت منشغلًا بالنظر إلى النَّاس وملابسهم والعمائم التي يرتدونها، وفي الواقع كانت لدي رغبة جامحة في الولوج إلى أفكار هؤلاء الناس، وما الذي يفكرون فيه الآن وقد تحلقوا في جماعات يتحدثون.
وسمعت رجلًا خلفي يتقمص دور الواعظ والفيلسوف والمنظّر حول الحياة والموت والقضاء والقدر، وشاهدت رجلًا يمر على كل التجمعات يخبرهم بشيء ما.
وهناك من وقف بعيدًا يراقب بصمت، ومن الحضور من بدا غير مبالٍ. ولاحظت من يثرثر مع رجل، والرجل غير مبالٍ به ولا يجاريه في الحديث.
وكنت في حضرة الموت ورهبته وفي المقبرة، بمعية الغياب والرحيل والنهايات الموجعة.
وقد انفض الجمع، وما زلت أنظر إلى الناس وهم يذهبون، لكن عقلي كان لا يزال يُعاني من الضجيج الذي أحدثه حضور الموت، وعلاقتي الملتبسة بالمقبرة التي نشأت بعد موت أمي.
