د. إبراهيم بن سالم السيابي
عندما تُقصف دول مُستقلة ذات سيادة دون تفويض أممي واضح، وعندما تُستباح حدود بلدان يفترض أن يحميها القانون الدولي، وعندما يُخطف رئيس دولة من داخل وطنه، ويُغتال قائد ورمز ديني وسياسي داخل بلاده، وتعلو أصوات القنابل فوق صوت الحكمة والسلام، ندرك أننا لا نعيش مجرد أزمات عابرة، بل نشهد تحوّلًا عميقًا في شكل النظام الدولي نفسه. السيادة، التي قيل لنا إنها ركيزة العلاقات بين الأمم، تبدو اليوم مفهومًا هشًا يُعاد تفسيره وفق ميزان القوة لا وفق نصوص المواثيق.
الخطر ليس في واقعة بعينها، بل في تكرارها حتى تصبح مألوفة. أن تُهاجَم دول دون مظلة دولية صريحة، وأن يُبرَّر ذلك تارةً باعتبارات أمنية أو ذرائع استباقية، وتارةً أخرى بحجة أن الشعب يتعرض للقمع وأن تغيير النظام ضرورة أخلاقية، يعني أن المرجعية لم تعد القانون، بل التأويل الأحادي للمصلحة. ومع كل تكرار، يتآكل الخط الفاصل بين النظام والفوضى، بين النصوص الدولية وميزان القوة. فالذريعة قد تتبدّل، لكن القاعدة المكسورة واحدة.
المأساة لا تكمن في الهجوم وحده، بل في اعتياده. أن يصبح القصف أداة سياسية معلنة، والاغتيال رسالة، وخطف واغتيال رؤساء الدول احتمالًا قائمًا، فهو ليس تحوّلًا عسكريًا فقط، وليس تجاوزًا لكافة الخطوط الحمراء فحسب، بل انحدار أخلاقي. أخطر من العنف أن يفقد العالم حساسيته تجاهه، خاصة وأن هذا الفعل من يقوم به دولا وليس أفراد أو جماعات متطرفة.
وحين يصرّح مسؤول في دولة كبرى برغبته في تغيير نظام دولة أخرى بالقوة، ويعلن أن لديه أسماء جاهزة لقيادة ذلك البلد، فإنَّ السؤال يتجاوز السياسة إلى جوهر المفهوم: من الذي منحه حق تقرير مصير شعب كامل؟ وأين يقف الحدّ بين التدخل والاحتلال حين تُفرض الإرادة من خارج الحدود؟
وقد يُقال إن المشكلة في أشخاص وفي القيادات، لكن التجربة تؤكد أن السياسات الكبرى تُبنى داخل منظومات راسخة ترى في القوة مرجعية نهائية. الأشخاص يرحلون، لكن إذا بقيت الفلسفة التي تُقدّم الهيمنة على الشراكة، فلن يتغير المسار.
وفي قلب هذه الحسابات يضيع الإنسان.
في غزة مثلًا، شعب كامل يعيش بين الأنقاض وسماء مفتوحة على الخوف. أطفال يُنتشلون من تحت الركام، وملامحهم لم تفهم بعد لماذا سقطت البيوت فوق أحلامهم. أمهات تحتضنّ صورًا أكثر مما تحتضن أجسادًا، وشيوخ يجلسون أمام أبواب لم تعد موجودة. أليس هذا شعبًا كسائر الشعوب؟ أليست حياته مساوية في القيمة لحياة أي إنسان آخر على هذه الأرض؟ حين يصبح الدم خبرًا عابرًا، فإن الإنسانية كلها تفقد جزءًا من معناها.
الحقيقة المرة هي أن العنف لا يولد إلا عنفًا، والاحتقان يولد التطرف. وكل ضربة عسكرية تزيد من أحقاد الشعوب وتبعدنا عن الحلول السلمية الممكنة.
ثم نأتي إلى سؤالنا نحن.
العالم العربي، المثقل بانقساماتٍ مستمرة والمستهلك بصراعاته الداخلية، يقف في كثير من هذه التحولات من موقع المتلقي لا الفاعل. في عالم لا يحترم إلا التكتلات الكبرى والتحالفات المتماسكة، يصبح التشرذم خطرًا استراتيجيًا، خاصة أمام محاولات قوى إقليمية لتوسيع نفوذها بالقوة أو إقامة ما يمكن أن نسميه “إسرائيل الكبرى”. وإن كان ثمة درس واضح من تحولات هذا العصر، فهو أن الدول التي لا تبني شراكات حقيقية ولا تدخل في تكتلات سياسية واقتصادية وأمنية متماسكة، تبقى عرضة للضغط والابتزاز وحتى المساس بسيادتها. الحل لا يكمن في الخطاب وحده، بل في بناء منظومات تعاون عربي وإقليمي قائمة على المصالح المشتركة، وتنسيق سياسي فعّال، وتعزيز للاستقلال الاقتصادي والغذائي والتقني. التكتل ليس خيارًا ثانويًا أو شعارًا، بل ضرورة ملحة لحماية القرار الوطني وصون الكرامة السيادية.
المحزن إذا استمر الاتجاه العالمي نحو تغليب القوة على القانون، فلن يكون الحديث عن عودة منطق الاستعمار مبالغة. قد لا يعود بشكله القديم، لكنه قد يعود بروحه ذاتها: فرض إرادات، إعادة رسم خرائط نفوذ، وتبرير التدخل بلغة حديثة تخفي جوهر السيطرة القديم.
في الختام: إلى أين يمضي هذا العالم؟
يمضي نحو اختبار أخلاقي عميق. هل تبقى السيادة حقًا متساويًا بين الدول، أم تصبح امتيازًا يمنحه القوي لمن يشاء؟ هل تبقى حياة الإنسان قيمة مطلقة، أم تُوزن بميزان المصلحة؟ وتكمن الخطورة في أنه إن لم يستعد القانون مكانته، وإن لم يتقدّم الضمير على منطق الغلبة، فسوف نعتاد على ما كان يُعدّ استثناءً حتى يصبح قاعدة. وعندها لن يكون السؤال: من التالي؟ بل: أي قاعدة بقيت لم تُكسر… وأي سيادة بقيت لم تُمسّ؟
