د. إسماعيل بن صالح الأغبري
إنهم قوم يشاطرون الناس في البلدان، وهم في الظاهر منها وإليها، لسانهم لسان سكان البلدان، وهندامهم هندامها، يتمتعون بخيراتها، ويجاورونك في سكنك، ويعملون معك، يُبدون لك من حب الأوطان باللسان ربما ما يفوق ما تُبديه أنت، ولعلهم يتملقون وينظمون القصائد والأراجيز فيها إلّا أنَّ الحاذق اللبيب، والفطن الأريب قد يُدرك زيف ذلك من خلال سقطات لسان أو هفوات مقال، فيعلم أن قلوبهم معلقة بغير الأوطان، وألسنتهم تلهج بالدعاء لغير بلدانهم.
العملاء في البلدان هم بمثابة السوسة التي تنخر الجذع، وبمثابة المرض الذي يسري في الإنسان وهو لا يشعر بأن داءً يسري في جسده، وهو يضعف قواه، ثم سرعان ما تنهار تلك القوى عند أي حدث.
ما جرى بين إسرائيل والمقاومة في لبنان عام 2024 من حرب، وما صارت إليه المقاومة اللبنانية من كسر عظمها، وضعف إمكاناتها كان عامله الأكبر هو شبكة العملاء، أبناء جلدتهم، ورفقاء وطنهم، وربما أظهروا لهم أنهم رفقاء السلاح معهم، فقد نقلوا ما خف وثقل من المعلومات عن بلادهم ومقاومتها إلى عدوهم، فتمكن من تحديد الأهداف البشرية، ذات الثقل القيادي الكبير، كما عملوا على تحديد المراكز القيادية والمواقع العسكرية والاقتصادية وكل ما من شأنه دعم المقاومة، ووافوا به إسرائيل لقمة طرية سائغة. إن مفعول العملاء في أي بلد من البلدان أشد من ألف قنبلة وصاروخ، وأكثر فتكا من العدو الخارجي؛ لأنهم عينه المتقدمة في البلدان، ورجلة المغروسة في الأوطان، بهم يبصر، ويمشي ويسعى، ويبطش، والعملاء آفة شديدة الفتك؛ لأنهم يمشون وقد تستروا لفظا بالوطنية حتى يخيل للمرء أنهم أكثر وطنية من المخلص لها.
الذي حلَّ بالمقاومة كان انعكاسًا لما قام به العملاء من التخابر مع إسرائيل؛ فاستباحت البر والبحر والجو، وتمكنت من الفتك بالقيادات العليا بعد معرفة دقيقة بالمخابئ، ومدى عمقها تحت الأرض، فأدى ذلك إلى وقوع البلاد فريسة للاتفاقيات المجحفة مع إسرائيل، وعن طريق العملاء تم إبعاد المقاومة عن الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وعن طريقهم تم تحديد مخازن الأسلحة لتدميرها.
ربما يرى البعض أن الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وآلات التصوير المنتشرة في الشوارع قد تكون السبب في اصطياد الشخصيات المؤثرة القيادية، وتلك فعلًا يمكن الإفادة منها وتحليل ما ينطبع إليها من صور وحركة للشخصيات، إلّا أن تلك الأدوات لا تغني عن العامل البشري المتمثل في جيش العملاء المُتغلغل في مراكز السلطة أو حتى من العامة لا يشغلون مناصب إلا أنهم طامعون في حفنة من مال.
الآلات مهما بلغت من ذكاء إلّا أنها مقارنة بالعميل البشري يمكن وصفها بالغباء، ولعل ما حل بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خير شاهد على ذلك؛ إذ لا يمكن تصور وقوعه في الأسر، وتحديد مكانه بتلك الدقة المتناهية عن طريق الأقمار الصناعية وحدها دون العملاء من ذات البلاد، والمقربين من مراكز صنع القرار.
الحرب التي شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران، والتي اندلعت عليها في شهر يونيو من عام 2025، وما أدت إليه من قتل لما يصل إلى 40 قيادة سياسية وعسكرية ونووية لم يكن ليحدث لولا عملاء الداخل؛ ما شكل ضربة قوية حلت بإيران.
ثم إن اندلاع الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران منذ ثمانية أيام، وما أدت إليه من قتل قيادات سياسية وعسكرية ومنها المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يمكن أن يقع دون نشاط للعملاء.
نشاط العملاء ليس جديدًا أو مهنة بيع الأوطان ومقدراته ليست مستحدثة، بل معروفة منذ أزمنة، ومنها ما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ عزم رسول الله على مواجهة خطر قريش بالحسم العسكري بعد نقضها الاتفاق الموقع بينهما، واعتدائها على حليف مقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقام بعض ممن كان معه بمراسلة قريش عن طريق امرأة من المجتمع المدني، لحمل تلك الخطابات إلى قريش، يتولى هذا الطابور الخامس إعلام قريش بما يمكن تسميته حاليًا بموعد الضربة التي ينوي جيش النبي إنزالها بقريش، وكادت مخططات العملاء تنجح لولا أن مفاجأة كشفت هذا الطابور الخامس.
وحتى في أزمنة قديمة أي منذ 1400 عام تقريبًا وقع في عُمان أيام دولة الإمام الجلندى بن مسعود عام 132هـ وخلال إعلان العُمانيين الاستقلال السياسي والثقافي لعُمان عن الدولة العباسية، قام الطابور الخامس بمراسلة السُلطة في بغداد، تُرغِّبهم في غزو عُمان- والطابور الخامس ينتمي إليها- وتحثهم على ذلك قبل أن تقوى شوكة عُمان، وتترسخ مكانتها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا، إلّا أنه تم كشف تلك الخلية من الطابور الخامس، وكان ما يمكن تسميته بمركز القيادة العُليا أصدر حكمه على هذا الطابور وهو إعدامهم، وهذا الفصل لم يكن تشددًا وإنما لأن خطر هذه الطوابير على البلدان يفوق الخيال؛ لما ينتج عنه من تلاشي النظام السياسي للبلدان، وهو ما وقع لعُمان عام 134هـ؛ إذ اجتاحها الجيش العباسي، وأحرق بلدانًا كثيرة، وفقدت عُمان استقلالها السياسي ما يزيد على 40 عامًا، وقُتلت قيادتها السياسية والعسكرية كالإمام الجلندى بن مسعود وقائده هلال بن عطية الخراساني، ثم إن الدولة العباسية نفسها سقطت على يد المغول عن طريق الطابور الخامس.
وفي العصر الحديث لنا شواهد في لبنان وإيران، فإن العملاء قد يتسببون في فقدان البلدان السيادة والاستقلال؛ أي تتحول البلدان إلى مجرد شكل قائم من الاستقلال، بينما هي خاضعة لمن قام بالتجنيد، وكذلك فإنَّ العمالة تسفر عن خلخلة للاستقرار الاجتماعي لأن الذي يُجنِّد العملاء يرغب قي إضعاف الدول من الداخل بحيث يضمن سيادة الفوضى، وعدم تمكُّنها من النهوض، وهو ما سعت إليه إسرائيل مرارًا في لبنان من حيث ضرب السِلم الأهلي في لبنان بين المذاهب الإسلامية وبين المسلمين والمسيحيين، وبين مختلف الأحزاب السياسية الإسلامية والعلمانية والمسيحية والإسلامية، وبين المجموعات الفلسطينية ذات الأيدولوجيات المختلفة وبينها وبين اللبنانيين.
يحاول الإسرائيليون خلخلة النظام السياسي والاجتماعي في إيران لضمان عدم عودة إيران قوة سياسية وعسكرية، وذلك من خلال إثارة النعرات القومية بين مكونات الشعب من فرس وعرب وأكراد، فيقوم بتسليح طرف على حساب آخر، أو تحريضه على قلب نظام الحكم.
خطورة العملاء تكمن في أنه من الصعب معرفتهم أحيانًا بالوسائل التقليدية، خاصة إذا ما تدربوا أو تم إعدادهم من مجنديهم بدرجة عالية من الاتقان، ما يتطلب من فئات المجتمعات درجة عالية من الوعي في الأحاديث العامة، والابتعاد عن السطحية والحديث الانسيابي عن المراكز الحساسة والمواقع المهمة في البلدان؛ فالعملاء بمثابة الملقط الذي يلتقط كل شاردة وواردة.
"جيفارا الكوبي" الذي أرهق المستعمر لم يقع إلّا بسبب العملاء من بلاده، والسيد حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين لم يتم تحديد موقعهما إلّا بعد الاستعانة بالطابور الخامس، والسيد علي الخامنئي مرشد الجمهورية الإسلامية لم يكن ليصل إليه الإسرائيليون والأمريكيون إلّا بعد تعاون العملاء معهم مع الاستعانة بأدوات الرصد؛ فالعميل كالمُنكِر فضل الله، يأكل من نعمه، ويستظل بسمائه، ويرجو نواله ثم يجحد فضله عليه وكذلك العميل يأكل من خيرات بلاده، ويتنعم بمرافقها التعليمية والصحية والثقافية والاقتصادية، ويعيش آمنا مطمئنا سخاء رخاء هو وذريته لا يخاف بخسا ولا رهقا بفضل العيون الساهرة ثم يتنكر لفضل بلاده، فيتحول إلى مرصد للعدو، وبؤبؤ للخصم، ودرع يقي عدو بلاده سهام بلاده التي تدافع عنها، إنهم في البلدان.. "هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ" (المنافقون: 4).
وخطر العملاء ليس محصورًا فقط في الدلالة على رؤوس السُلطة السياسية والعسكرية، لكنه يتعدى إلى المنشآت الاقتصادية بالدلالة على مواقعها، وقوة الاقتصاد وما في الصناديق السيادية وعن الاتفاقيات، وبذلك يتمكن مجندوهم من معرفة هذه المفاصل الحيوية في البلدان.
