سالم البادي (أبومعن)
تُعد مسقط "قلب الدبلوماسية النابض" في الشرق الأوسط، وتلعب دورًا محوريًا وحساسًا في محاولات احتواء الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية وتجنيب المنطقة حربًا شاملة.
حيث تعيش المنطقة اليوم اللحظة التي طالما حاول العالم تجنبها؛ مواجهة مباشرة وعلنية بين أمريكا وإيران.
لم تعد الحرب "بالوكالة" أو عبر "الظلال"، بل انتقلت إلى صدام مباشر يهدد بإعادة رسم خارطة القوى في الشرق الأوسط.
دخلت المواجهة مرحلة "كسر العظم" بعد سلسلة من الضربات المتبادلة التي استهدفت العمق الإيراني والقواعد الأمريكية.
الاستراتيجية الأمريكية: تتبنى إدارة ترامب حاليًا مبدأ "الردع الساحق"، حيث تهدف الضربات إلى شل القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية في وقت قياسي، مع تجنب "الغزو البري" الذي كلف واشنطن الكثير سابقًا.
الرد الإيراني: تعتمد طهران على "الدفاع النشط"، مستخدمةً ترسانتها من الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، مع التلويح بإغلاق الممرات المائية الدولية (مضيق هرمز) لرفع تكلفة الحرب عالميًا.
ورغم جهودها التاريخية كـ"وسيط موثوق"، واجهت عُمان في الأيام القليلة الماضية تصعيدًا غير مسبوق، من خلال استهداف مباشر عبر تعرض ميناء الدقم في سلطنة عُمان لهجوم بطائرات مسيرة في مطلع مارس 2026، وهو تطور خطير كاد أن يخرج السلطنة من دائرة الحياد، وقد أدانته الجامعة العربية ودول الخليج بشدة.
استمرار الوساطة: رغم هذا التصعيد، أكد وزير الخارجية العُماني، معالي السيد بدر البوسعيدي، اليوم (2 مارس 2026) أن "باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحًا"، مشددًا على أن المفاوضات هي المخرج الوحيد.
لماذا مسقط الآن صمام الأمان؟
لم يعد دور سلطنة عُمان مجرد "وسيط" تقليدي، بل تحولت في ظل الأزمة الحالية إلى "رئة دبلوماسية" يتنفس من خلالها الخصوم؛ ففي الوقت الذي بلغت فيه التوترات العسكرية ذروتها، كانت مسقط تحتضن لقاءات ماراثونية.
تفكيك الألغام: تعمل الدبلوماسية العُمانية على تحويل "لغة التهديد" إلى "تفاهمات أمنية" تضمن عدم تحول مياه الخليج إلى ساحة معارك مفتوحة.
تحييد الاقتصاد: تدرك مسقط أن أي اهتزاز في أمن الخليج يعني زلزالًا في الاقتصاد العالمي، لذا تركز جهودها حاليًا على تأمين ممرات الطاقة بعيدًا عن الصراع المسلح.
الحل المطروح عبر وساطة مسقط: تستند خطة الحل التي تقودها مسقط إلى "خارطة طريق" تتكون من ثلاث مراحل أساسية: أولًا: (التهدئة الفورية)؛ إذ تدعو مسقط إلى وقف فوري للعمليات العسكرية بين أمريكا وإيران، ومنع انزلاق واشنطن إلى "حرب ليست حربها".
ثانيًا: (المفاوضات النووية والأمنية)، وقد استضافت مسقط جولة من المحادثات في 6 فبراير 2026، سلمت خلالها السلطنة "خطة إيران للمفاوضات" إلى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، والتي تهدف للتوصل إلى اتفاق سلام نووي شامل.
ثالثًا: (تحييد دول الجوار)؛ حيث تعمل مسقط على انتزاع ضمانات متبادلة بألا تكون الأراضي أو المنشآت المدنية في دول الخليج العربي أهدافًا لأي تصعيد عسكري.
ولضمان عدم تحول الأزمة إلى صراع إقليمي لا يمكن التحكم به، نعتقد أن الدبلوماسية العُمانية تركز على:
- الشفافية في نقل الرسائل؛ حيث تعمل مسقط كقناة خلفية "سرية وموثوقة" تمنع سوء الفهم الذي قد يؤدي إلى قرارات عسكرية متهورة.
- تخفيف العقوبات مقابل تنازلات؛ إذ تقترح الوساطة تخفيفًا تدريجيًا للعقوبات الأمريكية مقابل التزامات إيرانية ملموسة بشأن برنامجها النووي ونشاطها الإقليمي.
- الاستناد للقانون الدولي: تضغط سلطنة عُمان عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن لفرض وقف إطلاق نار يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة وينهي الهجمات التي تنتهك سيادة الدول.
وأخيرًا.. الحل في مسقط يعتمد على قدرة الأطراف (واشنطن وطهران) على تغليب لغة العقل قبل الوصول إلى "نقطة اللاعودة".
سلطنة عُمان لا تزال تؤمن بأن "السلام في متناول اليد" إذا استمرت جولات جنيف ومسقط في إحراز تقدم جوهري، رغم أصوات المدافع.
خلاصة القول.. إن استقرار الشرق الأوسط في مارس 2026 يعتمد على "عقلانية اللحظة الأخيرة". وإن دول الخليج اليوم ليست مجرد ساحة، بل هي "صمام الأمان" الذي يمكنه، عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، إجبار الطرفين على النزول عن شجرة التصعيد.
