العمق الإسرائيلي واستراتيجية الانتصار

 

 

مسعود أحمد بيت سعيد

masoudahmed58@gmail.com

 

جاء العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران على أساس تقدير بأنَّ العملية ستكون محدودة، ولن تتجاوز مدتها أربعة أو خمسة أيام.. غير أنَّ هذا التقدير- بما ينطوي عليه من أوهام وتضليل- يحمل بعدين رئيسين.

البُعد الأول يتمثل في الإيحاء بأنَّ الضربة الاستباقية قادرة إما على إسقاط النظام أو- في الحد الأدنى- شل قدراته وخلق واقع داخلي مضطرب يمكن البناء على تداعياته لاحقًا. إلّا أنَّ إيران أظهرت قدرة لافتة على استيعاب الضربة الأولى والرد السريع، فضلًا عن امتصاص صدمة اغتيال مرشدها الأعلى السيد علي خامنئي، بما يمثله من رمزية معنوية وسياسية.

البُعد الثاني يتمثل في محاولة الاحتفاظ بخط رجعة إذا ما قوبل العدوان بصمود ومواجهة غير متوقعة. ويبدو أن الخطاب بدأ يتبدل مع تصاعد الحديث عن حرب قد تطول، ما يعني أن مجريات الميدان خالفت الحسابات الأولية. فقد أظهرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية- حتى الآن- قدرة استراتيجية مُعتبَرة على توظيف إمكاناتها بحكمة واقتدار؛ إذ امتد تأثير صواريخها إلى نطاق إقليمي واسع في مشهد فاق كثيرًا التوقعات المُسبقة. ويمكن اختزال استراتيجيتها وتكتيكاتها في 3 عوامل رئيسة:

العامل الأول: استثمار الموقع الجغرافي عبر التحكم بأحد أهم الممرات المائية الحيوية؛ فهذا المعطى كفيل بإعادة تشكيل موازين القوى؛ إذ إن الخليج- بوصفه أحد أبرز شرايين الطاقة في العالم- لا يمكن أن يظل خارج الخدمة مدة طويلة من دون تداعيات كبرى على القوى الدولية التي ستجد نفسها معنية بالدفاع عن مصالحها. ووفق هذا المنظور، لن تكون أقطاب مجموعة "بريكس" بعيدة عمَّا يجري، لا سيما مع اكتمال حلقات الحلف الإمبريالي والصهيوني بدخول الترويكا الأوروبية عمليًا على خط المواجهة.

العامل الثاني: تزامن هذه الإجراءات مع تصعيد عسكري يحافظ على وتيرة متنامية يومًا بعد آخر، بما يكرس معادلة ضغط مستمر.

العامل الثالث: وهو الأهم؛ تكثيف الضربات باتجاه العمق الإسرائيلي، وهي النقطة المركزية في معادلة الصراع، وقد يتعزز هذا العامل مع انخراط قوى إقليمية داعمة بحكم قربها من خطوط التماس.

ولا شك أنَّ استنزاف القوى المعتدية، وإرباك جبهتها الداخلية، وتقويض سرديتها السياسية والإعلامية، كلها عوامل ترفع كلفة العدوان وتضعف قدرته على التماسك والاستمرار. وبما أن الحلف المعادي يسعى إلى إبقاء المواجهة في حدود نمط من الحرب يتفوق فيها تكنولوجيا عبر الصواريخ والطائرات والحرب الإلكترونية، ويخوض المواجهة عمليًا خارج عمقه الاستراتيجي، فإنه يعمل كذلك بوسائل مختلفة على استدراج قوى إقليمية إلى لهيب النار عبر استهدافها وتهيئة الأرضية النفسية والسياسية لشعوبها للقبول بسيناريوهاته. وهي فرضية تستوجب الوعي وعدم الانسياق وراء تجلياتها وانفعالاتها العاطفية، خصوصًا في ظل منطق رسمي يجيز للولايات المتحدة استخدام قواعدها المنتشرة واعتبار أي رد عليها اعتداء على سيادتها، بما يوفر المسوغ القانوني لتبرير تحولات مواقفها. وهي مسألة معقدة تحتاج إلى جهد سياسي وأخلاقي كبير لتسويغها.

ونظرًا إلى أن الوصول إلى العمق الأمريكي يظل مُستبعدًا، فإنَّ هذه الحيثية تقتضي تطوير استراتيجية المقاومة وتكتيكاتها؛ بما يتناسب مع المعطيات الموضوعية التي باتت تفرض انتقاء أهداف ذات تأثير مباشر، وتفويت الفرصة على المخططات الاستعمارية الإمبريالية والصهيونية، والحفاظ قدر الإمكان على الحالة الشعبية المناهضة للوجود والعدوان الإمبريالي والصهيوني، وإن كان جزء منها لا يزال أسير التعبئة الطائفية والمذهبية البغيضة ومن هنا تبرز أهمية التركيز على الداخل الإسرائيلي ونقل مركز ثقل المواجهة إليه؛ إذ إن استهدافه يشكل، في العمق، قاسمًا مشتركًا بين شعوب المنطقة رغم تباين اجتهاداتها السياسية، بما يتيح إمكانية الخروج من القالب الذي يراد فرضه على الجميع وفرض إيقاع مغاير يربك حساباته ومخططاته. خصوصًا أن جانبًا مهمًا من أهداف هذا العدوان يصب في خدمة طموحاته التوسعية.

ولا ريب أن هذا العامل يعد من أبرز عناصر المعركة فاعلية، وقدرة على تحويل هذا الكيان الإرهابي من كنز ثمين إلى عبء ثقيل.

الأكثر قراءة

z