رمضان والوعي بما لدينا من نِعم

 

 

 

صاحب السمو السيد / نمير بن سالم آل سعيد

 

الجميع- ولله الحمد- لديه الكثير من النعم المُتوفرة في حياته، هبة من الله عزَّ وجلَّ، في وطن آمن مُطمئن، معطاء بالخير.

ولكن لكون هذه النعم مُتاحة وحاضرة في كل حين، يغفل عن أهميتها كثير من الناس، لا يتفكرون فيها، ولا يستشعرون عظيم أثرها في حياتهم أو يؤدون شكرها الواجب، ولا يتضرعون إلى الله أن يحفظها ويصونها، ويحميها من الزوال وكأنَّها أمور مفروغ منها لا تذوي ولا تزول.

وشهر رمضان المبارك فرصة لإيقاظ شعورنا بالنعم التي لدينا، ولنقدرها حق قدرها، من أجل أن نمضي سائرين يُلازمنا الامتنان في ذواتنا، حامدين شاكرين لوجودها البالغ التأثير في مسار حياتنا.

ولولا هذه النعم التي أسبغها الله علينا بلطفه وكرمه، لما كنَّا قادرين على التمتع بأيامنا التي نتمتع بها الآن، أو القيام بدورنا الطبيعي المنوط بنا، ولما تمكنا حتى من عمل أبسط الأشياء في حياتنا، ولأصبحنا مقيدين بعجز تام لا فكاك منه.

ولذا فلنستحضر هذه النعم في أذهاننا دائمًا لتبقى راسخة في وجداننا، حتى ولو تعذر علينا إحصاؤها كلها.

قال تعالى "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (النحل: 18).

وفي رمضان حين يحل وقت الامتناع عن الطعام والشراب لساعات طوال استجابة لأوامر الله، نُدرك قيمة النعم التي نحظى بها حق إدراكها لو تبصرنا في أنفسنا.

ولا يقتصر هذا الإدراك على نعمة الطعام والشراب فحسب؛ بل يشمل الشعور بقيمة كافة الأرزاق التي تحيط بنا. كما نستشعر معاناة الفقراء والمحتاجين الذين يعيشون الحرمان في حياتهم، فيحرك ذلك الرحمة في أفئدتنا، فيجعلنا أكثر تعاطفاً معهم وإحساساً بظروفهم.

والشعور بالامتنان بالنعم ليس فقط بالإدراك الذهني، بل بالسعي لمساعدة هؤلاء الفقراء والمحتاجين وتلبية احتياجاتهم وتخفيف معاناتهم، ويصبح رمضان بذلك أكثر من صيام عن الطعام والشراب أو مجرد شعيرة إسلامية نؤديها فحسب، وإنما هي تجربة روحانية متكاملة، تلقننا درساً في أن نحيا بوعي بالنعم التي بين أيادينا.

وهكذا فإن هذا الشهر الرمضاني المبارك يجمع بين التأمل في النفس، والشعور بالامتنان، وزيادة العطاء للمحتاج؛ مما يمنحنا القدرة على العيش بمعنى وعمق أكبر، مدركين بأن قيمة النعم تتجلى حين نقدر وجودها وأثرها العظيم في حياتنا.

ولا ينبغي أن نمد أعيننا إلى ما عند الآخرين ممن نظنهم أوفر نصيبا وأكثر حظا، فنقع في المقارنات، فننحدر إلى فخ التقليل من شأن ما لدينا وازدرائه؛ بل وجب الشكر والحمد لله في كافة الأحوال، فلكل إنسان نصيبه العادل مما قدره الله له.

فالله يقسم الأرزاق في سماواته العلى بتدبيره العليم، فلا يدرك سره الخفي. ومن قلَّ رزقه في جانب زاده الله في جانب آخر لتتساوى كفة ميزان النعم، بعدالة إلهية حكيمة متوازنة. والعافية رزق، وطول العمر رزق، وراحة البال رزق، والوعي رزق. والأسرة الطيبة والأصدقاء الخيرون رزق، والأخلاق العالية رزق، والمال المشروع رزق، ولكنه ليس بأعلى الأرزاق قدرا ولا أبقاها أثرا، خلافاً لما يظنه بعض الناس.

وهكذا الصائم تتغير زاوية تفكيره وبوصلة تركيزه فيصبح يرى الاتجاه الصحيح بوضوح؛ فالامتنان الحقيقي ليس أن يحصل الفقد لندرك قيمة ما لدينا؛ بل أن نحيا في حضرة النعم بوعي دائم، نحفظها بالشكر ونحيطها بالتقدير، ونستشعر فضل الله علينا دائمًا وأبدًا؛ لتعُم البركة ويزيد الخير.

الأكثر قراءة

z