خالد بن حمد الرواحي
لم يعد التدقيق الداخلي اليوم مجرد مراجعة لما حدث، ولا حارسًا يقف عند نهاية الطريق ليرصد الأخطاء بعد وقوعها. فمع تسارع التحول الرقمي، بدأت المؤسسات تدرك أن الرقابة الحقيقية لا تقوم على ردّ الفعل، بل على القدرة على الفهم المبكر لما قد يحدث، واستباق الإشارة قبل أن تتحول إلى أزمة. وهنا، يتغيّر دور التدقيق من وظيفة تقليدية تُعيد قراءة الماضي، إلى عقلٍ رقابي يقرأ المؤشرات بهدوء، ويقود المؤسسة نحو قرارات أكثر وعيًا قبل أن تضيق الخيارات.
هذا التحول لا يعني استبدال الإنسان بالتقنية، بقدر ما يعني إعادة تعريف العلاقة بينهما. فالأدوات الذكية تمنح المدقق قدرة أوسع على تحليل البيانات واكتشاف الأنماط، لكنها لا تُغني عن الحس المهني ولا عن الحكم البشري. لأن القرار في النهاية لا يُتخذ بالبيانات وحدها، بل بثقة الإنسان في ما يقرأه منها، وبقدرته على فهم السياق وراء الأرقام. وحين تتكامل التقنية مع الخبرة، يصبح التدقيق أكثر قربًا من الواقع، وأكثر قدرة على دعم القرار بدل الاكتفاء بتوثيقه.
وفي هذا السياق، لم تعد التقارير مجرد ملخصات دورية، بل تحوّلت إلى أدوات استشراف تساعد القيادات على رؤية المخاطر قبل أن تتفاقم. فالمؤسسة التي تمتلك رؤية رقمية ناضجة لا تنتظر نهاية العام لتراجع ما جرى، بل تتابع الأداء لحظة بلحظة، وتتعلم من البيانات كما يتعلم الإنسان من التجربة، خطوة بعد أخرى. ومع كل خطوة نحو الرقمنة، يزداد وعي المؤسسات بأن القيمة الحقيقية للتدقيق لا تكمن في حجم الملاحظات، بل في توقيت اكتشافها، وفي القدرة على التحرك قبل أن يصبح التصحيح أكثر كلفة.
غير أن التحول الرقمي لا ينجح بالتقنية وحدها. فالتحدي الأكبر ليس في شراء الأنظمة أو بناء المنصات، بل في إعادة تصميم طريقة التفكير داخل المؤسسة، وفي الانتقال من ثقافة ردّ الفعل إلى ثقافة الاستباق. حين يُنظر إلى التدقيق بوصفه شريكًا في التطوير لا جهةً تبحث عن الخطأ فقط، تتغير لغة الحوار، وتصبح الرقابة جزءًا من رحلة التحسين المستمر، لا محطة للمحاسبة المتأخرة.
ومع ذلك، يبقى البعد الأخلاقي حاضرًا بقوة؛ فالبيانات- مهما اتسعت- تحتاج إلى ضوابط تحمي الخصوصية، وتحدّ من الانحياز، وتضمن العدالة في اتخاذ القرار. وهنا يظهر دور الحوكمة كجسر يربط بين التقنية والمسؤولية، بحيث لا يتحول الذكاء الرقمي إلى سلطة صامتة تُصدر الأحكام دون وعي بالسياق الإنساني، أو إدراكٍ لتأثيرها في الناس قبل الأنظمة.
التجارب الناجحة تشير إلى أن المؤسسات التي استثمرت في بناء مهارات مدققيها الرقمية، إلى جانب تطوير ثقافة العمل الجماعي، استطاعت أن تنقل التدقيق من موقع المراقب إلى موقع الشريك الاستراتيجي. فلم يعد المدقق يكتفي بطرح الأسئلة بعد انتهاء العمل، بل يشارك في صياغة الحلول منذ بدايتها، فيمنع التعقيد قبل أن يتراكم، ويقترح البدائل قبل أن تضيق الخيارات، ويُسهم في توجيه القرار بدل الاكتفاء بتعليقه.
وعند هذه النقطة، يصبح السؤال أعمق من مجرد تحديث تقني: هل نريد رقابة تلاحق الخطأ، أم رقابة تُبصره قبل أن يولد؟ فالفرق بينهما لا يكمن في سرعة الأجهزة، بل في وعي المؤسسة بدور التدقيق كقوة توجيه تدعم القرار، لا كأداة تصحيح تُستدعى بعد فوات الأوان.
وفي النهاية، قد لا يكون مستقبل التدقيق في كثرة التقارير، بل في جودة البصيرة التي يحملها من يكتبها، وفي القدرة على رؤية ما وراء الأرقام قبل أن تتحول إلى أزمة. فحين تتكامل البيانات مع الخبرة، وتلتقي التقنية مع القيم، تتحول الرقابة إلى بوصلة تُنبه مبكرًا، وتدفع المؤسسة إلى الأمام بثقة واتزان. عندها فقط، يمكن أن نقول إن الرقابة لم تعد تنتظر الزمن؛ بل أصبحت تسبقه.
