"عُمان 2026".. لحظة الحسم التي لا تحتمل التأجيل

 

 

 

 

سعيد بن محمد آل فنه **

 

الميزة التنافسية وأصل الأمان

كشفت التحولات المُتسارعة، بسبب الحرب الدائرة اليوم بين أمريكا وإسرائيل على إيران، والتي فرضت على الخليج، كشفت حقيقة اقتصادية جديدة مفادها أنَّ "الأمان التشغيلي" لم يعد ميزة إضافية، بل أصبح الأصل الأكثر قيمة في معادلة الاقتصاد العالمي. فمع تصاعد التوترات في المنطقة وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن عبر مضيق هرمز إلى مستويات غير مسبوقة وصلت إلى 400% أدركت مجالس إدارات الشركات الكبرى أن "الخطة البديلة" لم تعد رفاهية، بل ضرورة بقاء حتمية.

في هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان كلاعب استراتيجي محوري، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، بل بما تمتلكه من عناصر تفوق تجعلها مُرشحة لتكون البديل الأكثر أمانًا واستقرارًا في المنطقة.

ثلاثية التفوق العُماني

أولًا: تتمتع عُمان بميزة جغرافية فريدة؛ إذ تُطل موانئها الرئيسية (صلالة والدقم وصحار) مُباشرة على بحر العرب، بعيدًا عن تعقيدات المضائق البحرية. ما يُؤهلها لتكون ملاذات آمنة خارج حسابات الحصار والإغلاق.

ثانيًا: في عالم مستقطب، يتحول الحياد العُماني التاريخي إلى "أصل مالي وأمني"؛ فعُمان اليوم قادرة على استيعاب سلاسل إمداد خليجية وعالمية دون كلفة سياسية أو أمنية تُذكر.

ثالثًا: تبرز منطقة الدقم مدعومة بمساحتها الشاسعة التي تصل إلى 2000 كيلومتر مربع، وهي الأكبر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ مما يمنحها تفوقًا استراتيجيًا يجعلها نواة لنقلة صناعية ولوجستية شاملة. إذ يُطوَّر مطارها ليُصبح مركزًا لوجستيًا، بينما يربط ميناءها بعواصم مجلس التعاون بشبكة قطارات فائقة السرعة. وما يُعزز هذه الأفضلية المطلقة هو "ميزة الطاقة التنافسية"؛ حيث يبلغ سعر الكيلوواط في الدقم 0.031 دولار مقابل 0.06 دولار (المصدر: APSR)، وهو ما يُمثل نصف التكلفة مُقارنة بالمناطق الحرة المجاورة. وتُعد هذه التكاليف من بين الأدنى في المنطقة، مما يجعلها بيئة مثالية لاستقطاب الصناعات الثقيلة ومشاريع الطاقة النظيفة.

من الميزة إلى التفوق الى التقاط الفرص

النوافذ الجيوسياسية لا تنتظر.. سنغافورة التقطت فرصتها بين عام 1965-1975 (10 سنوات). ودبي التقطت فرصتها بين عام 1990-1995 (5 سنوات)، وعلى عُمان أن تلتقط فرصتها بين عام 2026- 2030 (4 سنوات)؛ لأن الفرص لا تتكرر ولا تنتظر. فاليوم هي فرصة عُمان وليس غدا! المطلوب ليس خططًا خمسية، بل "حزمة جراحية" فورية تستبدل وعود المدى الطويل بإجراءات ملموسة في معادلات الربح والخسارة لأنَّ عُمان تمتلك مقومات النجاح لنموذج أقوى من أي نموذج إقليمي آخر: "العبور + الإنتاج + المكان + الضمان" إنها الدقم النموذج الحر الأحدث والأكثر تفوقًا.

خارطة الطريق: خطة الـ48 شهرًا

تضعنا "ثلاثية التفوق العُماني" أمام استحقاق تاريخي؛ الانتقال من مرحلة التنظير إلى تنفيذ "حزمة جراحية" تهدف إلى تحويل مدينة الدقم إلى "عاصمة صناعية ولوجستية" للمنطقة ما يجسد ميزتنا الجغرافية إلى واقع ملموس. لقد حققت عُمان دخلًا إضافيًا ناهز 3 مليارات دولار جراء ارتفاع أسعار النفط خلال 40 يومًا من الأزمة الراهنة. وهذا الفائض يؤهلنا اليوم لتبني مبادرات اقتصادية نوعية:

10 مبادرات نوعية:

1- الممر الخليجي السريع (Rail-to-Truck): تدشين سكة حديد فائقة السرعة تربط ميناء الدقم بالرياض وأبوظبي، وباقي دول المجلس لضمان وصول البضائع في أقل من 36 ساعة بعيدًا عن مخاطر المضائق.

2- المطار اللوجستي: تحويل مطار الدقم إلى مركز شحن جوي عالمي (Sea-to-Air)، بما يقلص زمن التوصيل للأسواق الدولية بنسبة 50%.

3- المدن الذكية الشاملة: استقطاب الصناديق السيادية الخليجية؛ (تكرار تجربة عُمان والكويت) لبناء أحياء سكنية وترفيهية متكاملة، لتحويل الدقم إلى مدينة جاذبة للعيش والعمل لا مجرد منطقة صناعية.

4- بنك الأراضي المجهزة (Plug & Play): توفير أراضٍ صناعية مكتملة المرافق (غاز، كهرباء، صرف نفايات صناعية)، تتيح للمستثمر بدء الإنتاج خلال 6 أشهر فقط.

5- الهيدروجين مقابل التقنية: مقايضة الهيدروجين الأخضر بأسعار تفضيلية مع قوى صناعية كألمانيا واليابان والصين، مقابل استثمارات تقنية مباشرة في البنية الأساسية.

6- القضاء التجاري المستقل: تأسيس محكمة تجارية دولية في الدقم تضمن الفصل في النزاعات خلال 45 يومًا، لتعزيز أمان رؤوس الأموال.

7- توطين صناعات الطاقة: حوافز لإنتاج الألواح الشمسية محليًا، لدعم مشاريع الطاقة النظيفة وخفض تكلفة الكيلوواط لمستويات قياسية.

8- معهد الدقم للتأهيل: مركز تدريب متخصص يمنح العُمانيين مهارات فنية خلال 3 إلى 6 أشهر لضمان شغل وظائف المنطقة فورًا.

9- منطقة التجارة الرقمية: تشريع قوانين لتداول السلع والعملات الرقمية المدعومة بالأصول، لاستقطاب كبرى شركات التكنولوجيا المالية (FinTech).

10- بورصة الدقم للسلع: إطلاق بورصة عالمية تجعل من الدقم "مرجعًا إقليميًا للأسعار" بدلًا من الاعتماد على البورصات البعيدة.

إنَّ هذه المبادرات كفيلة بقلب موازين القوى الاقتصادية، ليس فقط بجذب المليارات، بل عبر أثرها المباشر على "البيت العُماني" من خلال خلق فرص عمل واسعة ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

صناعة التعمين

لقد كشفت التحديات الأخيرة عن مكامن قوة عُمان، لكن استثمار هذه القوة يتطلب قرارات جريئة وسريعة. المطلوب اليوم إطلاق برنامج وطني مكثف يمتد لأربع سنوات، يُدار بكفاءة عالية وصلاحيات استثنائية، لتحقيق قفزة اقتصادية نوعية.

والمبادرات العشر التي استعرضناها ليست مجرد أرقام؛ بل هي المحرك الفعلي لنهضة اقتصادية مستدامة. إننا اليوم أمام فرصة تاريخية لضرب عصفورين بحجر واحد: جذب استثمارات مليارية لاقتصاد عُمان، وقيادة تحول جذري في ملف "التعمين"؛ لينتقل الشاب العُماني من مهن بسيطة ومؤسسات متناهية الصغر إلى قلب الصناعات الثقيلة، واللوجستيات، والطاقة المتجددة.

بهذا التوجه، ننتقل من مرحلة تحميل المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر (محال الحلاقة ومحل كي الملابس ومغاسل السيارات) مسؤولية استيعاب الكوادر الوطنية، إلى مرحلة "اقتصاد القيمة المضافة" ليكون الشاب العُماني مهندسًا في مصانع الألمنيوم، ومبرمجًا في مراكز التحكم اللوجستية، ومديرًا فخورا لسلاسل الإمداد العالمية. شبابنا لو استثمرنا في تأهيلهم بذكاء سيصبحون الثروة التي تجمع بين أصالة القيم وحداثة المهارة، وبسواعدهم سنحول عُمان إلى "محرك إنتاج عالمي" لا يرضى بمكانٍ دون النجوم.

نداء أخير.. لقد كشفت الأزمات ميزة عُمان، لكن التفرّد وحده لا يبني اقتصادًا؛ بل تبنيه سرعة الرجال في اتخاذ القرار، فعلينا تحويل الدقم إلى منظومة متكاملة، والقانون إلى قوة تنافسية، و"الحياد" إلى مكتسبات ملموسة.

هل ستشهد عُمان ميلاد "برنامج الـ48 شهرًا" بصلاحيات استثنائية وفريق صفقات سيادي، مهمته تحقيق القفزة الاقتصادية المنشودة دون تكاليف باهظة وفي زمن قياسي؟ عُمان هي النموذج البديل والأجدى للخليج والعالم.. وهذه فرصتها. والفرصة تُقتنص الآن.. الآن وليس غدًا.

وكما قال المتنبي: "إذا غامرت في شرف مروم // فلا تقنع بما دون النجوم".

** باحث في استراتيجيات التنمية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z