سما بنت عبدالله الكلبانية
تستعد المجتمعات الإسلامية سنويًا لاستقبال ثلاثين يومًا من الصيام والقيام في شهر رمضان؛ فيه تغسل الأرواح، وتزهر القلوب، وتسمو النفوس إلى معاني الطهارة والسكينة. وفيه أُنزل القرآن الكريم، قال تعالى: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" (البقرة: 185).
أهلًا بشهر الرحمة والسكينة، شهر المعجزات والقرب من الله، وموسم الخير والعطاء؛ فهو الضيف الكريم الذي يحمل في طياته نفحات إيمانية وروحانية، تتضاعف فيه الحسنات، وتفتح أبواب الرحمات، ويرجو فيه العباد العتق من النيران.
ومع حلول الشهر الفضيل، يحرص الناس على تنظيم أوقاتهم وترتيب أولوياتهم، فتزداد العزائم على المحافظة على الصلاة في أوقاتها، وملازمة تلاوة القرآن، والإكثار من الصدقات؛ ليكون الشهر محطة للتغيير الإيجابي وبداية رحلة جديدة مع الذات. كما تتجلى صور التعاون والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع من خلال توزيع المواد الغذائية وإعداد موائد الإفطار للصائمين، في مشاهد تعكس عمق الأخوة ونبل المشاعر.
هذا إلى جانب بعض العادات الاجتماعية الحميدة، حيث تتزين البيوت بأجواء الفرح والطاعات حين تجتمع العائلات حول مائدة واحدة تتشارك الدعاء والامتنان، فيكون رمضان فرصة لتعزيز الروابط الأسرية وتقوية أواصر المحبة. وتتعالى أصوات المآذن، وتمتلئ المساجد بالمصلين لأداء صلاة التراويح، حيث تسود أجواء الخشوع والتهجد.
إنَّ رمضان واحة روحية لتزكية النفس وتعزيز الانضباط، ولا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل هو ترك للعادات السلبية، ومدرسة لمراجعة الذات وتهذيب السلوك وحسن التعامل مع الآخرين. هو بداية صفحة جديدة تعيد للنفس توازنها، وتقرب العبد من ربه.
يبقى رمضان أكثر من عبادة؛ إنها أيامٌ معدودات تحتضن فيها قيم الإخاء والتراحم والتكافل، وفي هذا الشهر تتلاقى القلوب على الخير، وتتجدد العزائم على بذل العطاء والخدمة الإنسانية، ليكون رمضان تجسيدًا حقيقيًا لمعنى الوحدة والكرم، ونورًا يمتد أثره في القلوب ما بعد انقضائه.
