البحوث العلمية بين المنهج الرتيب والمنهج الابداعي

 

 

أ. د. حيدر بن أحمد اللواتي

في عالمنا اليوم، حيث تتسارع وتيرة التطور في جميع المجالات، ومع السعي المستمر نحو تحسين كفاءة استخدام الموارد المالية والفنية والبشرية، أصبح من الضروري إعادة النظر في منهجية إدارة البحوث العلمية، إن هذا التوجه الجديد، الذي يمكن تسميته بالمنهج الرتيب في إدارة البحث العلمي، بدأ يحظى باهتمام متزايد خصوصًا في المؤسسات الأكاديمية، لا سيما في الجامعات العربية، فهذا المنهج لا يقتصر على تنظيم البحث فقط، بل يهدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة، من خلال تخطيط دقيق وتحديد واضح للأهداف والمهام والنتائج المتوقعة.

في هذا السياق، يطلب من الباحثين تقديم بحوثهم وفق إطار إداري صارم، يتضمن توثيق أهداف البحث بشكل واضح، وتحديد الإجراءات والخطوات التي ستتبع لتحقيق هذه الأهداف، مع وضع جداول زمنية دقيقة للإنجاز، كما يُطلب منهم تحديد النتائج المتوقعة والفوائد المالية التي يمكن أن تترتب على البحث، بالإضافة إلى عدد الأوراق العلمية التي سيتم نشرها، وأحيانًا ما إذا كان البحث قد يؤدي إلى منتج ابتكاري يمكن تسجيله كبراءة اختراع، إن هذا النهج صار شائعًا ليس فقط في المنح البحثية التي تقدمها الشركات، بل حتى من الجهات الحكومية المعنية بالبحث العلمي، والجامعات التي يُفترض بها أن تكون منبعًا للعلم والمعرفة.

لكن، في مقابل هذا المنهج الرتيب في إدارة البحث العلمي، هناك منهج آخر يمكن تسميته بالمنهج الإبداعي لإدارة البحوث العلمية، وهو منهج يختلف جذريًا عن الأول، ففي هذا المنهج، يتركز الاهتمام على التحدي العلمي ذاته، حيث يكرس الباحث جهده لفهم المشكلة أو الظاهرة قيد الدراسة بعمق، مع توضيح معالم هذا التحدي بدقة، وبعد ذلك، يقوم الباحث بصياغة نظريته العلمية التي تهدف إلى التعمق في فهم هذا التحدي، أو تصميم تجارب علمية محددة لمحاولة إيجاد حلول مبتكرة.

الفرق الأساسي هنا أن النجاح في هذا النوع من البحث ليس مضمونًا، لأن التحديات التي يواجهها الباحث غالبًا ما تكون كبيرة ومعقدة، وقد تؤدي إلى نتائج غير متوقعة أو حتى إلى عدم التوصل إلى حلول ناجعة، لذلك، لا يتم التركيز كثيرًا على المنتج النهائي، أو على الالتزام بجداول زمنية صارمة، أو حتى على الحصول على براءات اختراع، وبدلاً من ذلك، يتركز الاهتمام على كيفية إدارة البحث العلمي، وعلى دقة التجارب وصحة النتائج، وعلى إمكانية استخدام هذه النتائج كأساس لمزيد من البحوث التي قد تقربنا من فهم أو حل التحدي الأكبر.

المدافعون عن المنهج الرتيب يرون أن البحث العلمي يجب أن يكون ذا قيمة اقتصادية ملموسة، وأن يسهم في نهضة المجتمع ورفع مستواه المعيشي، ومن وجهة نظرهم، المعرفة التي لا تترجم إلى تنمية اقتصادية أو منتجات مفيدة لا تستحق الجهد والموارد، فهم يؤكدون أن الباحث يجب أن ينتج ما يفوق ما يُنفق على البحث، وإلا فإن البحث يصبح مضيعة للوقت والمال ولا يضيف قيمة حقيقية.

أما من يؤيدون المنهج الابداعي في إدارة البحث العلمي، فيقولون إن جوهر البحث العلمي هو الكشف عن المجهول، فالبحث العلمي الحقيقي لا يتعامل مع ما هو معروف، ولذلك من المستحيل على الباحث أن يحدد بدقة ما سيفعله أو ما سيصل إليه من نتائج تفصيلية قبل الشروع في البحث، إن هذا النوع من الإدارة قد يخنق روح الباحث الجريء الذي يغامر في المجهول ويواجه تحديات كبيرة، ويجعل البحث محصورًا في مواضيع جزئية بسيطة، غالبًا ما تكون تقنيات معروفة تم تطبيقها في أماكن أخرى ويعاد إنتاجها مع تعديلات طفيفة، وهذا يؤدي إلى بحوث متوقعة النتائج ومملة، لا تقدم جديدًا حقيقيًا.

الداعون للمنهج الإبداعي في إدارة البحث العلمي يؤكدون أيضا أن المنهج الرتيب قد يقضي على لحظات البصيرة التي تظهر عندما يُمنح الباحث حرية استكشاف موضوعاته بكل جرأة، وهو ما يؤدي إلى اكتشافات غير متوقعة، ويقر هؤلاء بأن هذه البحوث كثيرًا ما تصطدم بطرق مسدودة أو بفشل في التجارب، لكن هذا الفشل جزء أساسي من عملية التعلم والتقدم العلمي، أديسون هذا العالم الكبير الذي غير وجه البشرية باختراعه للمصباح الكهربائي فشل في آلاف التجارب، ولو كان المنهج الرتيب هو المتبع في البحث العلمي آنذاك فهل كانت الجهات الممولة ستستمر في تمويلها لبحوث أديسون بعد كل تلك التجارب الفاشلة؟!..

كما أن هناك مخاطرة أخرى كبيرة في المنهج الرتيب في إدارة البحوث العلمية، وهي أن معظم التمويل والاهتمام سينصب على البحوث التطبيقية التي تحقق نتائج اقتصادية واضحة، بينما ستُهمش البحوث الاجتماعية والثقافية والفكرية التي لا تقدم عوائد اقتصادية سريعة، إن هذه البحوث الاجتماعية ضرورية لفهم التغيرات العميقة التي تواجه المجتمعات، والتي قد تؤدي إلى فقدان الهوية أو أزمات حضارية، ومثل هذه البحوث تحتاج إلى زمن طويل وأبحاث مستمرة، ولا يمكن حصرها في جداول زمنية قصيرة أو تقييمها فقط من حيث العائد المالي.

من هنا، تظهر الحاجة إلى نهج متوازن يجمع بين المنهجين، تمامًا كما ينصح خبراء الاقتصاد بعدم وضع كل البيض في سلة واحدة، يجب أن يكون لدينا تنوع في طرق إدارة البحث العلمي، ويمكننا في هذا الإطار تخصيص مسارين على أقل تقدير: أحدهما يتبع المنهج الرتيب ويكون موجها بصورة خاصة للبحوث التطبيقية القصيرة المدى التي تستهدف حلولًا سريعة ومنتجات ملموسة، ولا يحتاج الى موارد مالية كبيرة، والآخر يتبع المنهج الإبداعي ويكون مخصصا للبحوث الاستراتيجية طويلة المدى التي تتعامل مع تحديات كبيرة وتأثيرات عميقة على المجتمع والدولة، وتخصص له موارد مالية كبيرة، إن هذا التنويع يضمن تحقيق تقدم علمي اقتصادي واجتماعي مستدام، ويمنح الباحثين مساحة للإبداع والابتكار، دون أن نغفل أهمية النتائج القابلة للقياس والاستثمار.

إننا نرى إن تطوير البحث العلمي لا يمكن أن يتم عبر منهج واحد فقط، بل يجب أن نؤسس لنظام بحثي متكامل يدعم التنوع في الأهداف والأساليب، بحيث نحقق التوازن بين المنهج الابداعي في البحث العلمي والمنهج الرتيب، بما يلبي حاجات المجتمع المعقدة ويعزز مكانة مؤسساتنا البحثية في المشهد العالمي.

** جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z