مختصون أكدوا لـ"الرؤية" أهمية إعادة قراءة خارطة التخصصات لأن بعضها وصل مرحلة التشبع

مطالبات بتطوير متكامل لمنظومة التعليم والارتقاء بجودة المخرجات العلمية


 

◄ العبري: تحسين جودة المخرجات العلمية يتطلب ربط المعايير الأكاديمية باحتياجات الاقتصاد الوطني

◄ البلوشي: يجب الاستثمار في تطوير قدرات الهيئة الأكاديمية لتبني أساليب تعليم متطورة

◄ الرئيسي: المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من تطوير المبادرات إلى تعظيم الأثر التطبيقي

◄ المشيخي: بعض مؤسسات التعليم العالي تركز على الربح وليس جودة التعليم

 

الرؤية- ناصر العبري

أكد عدد من الخبراء والمختصين أهمية تكامل الأدوار بين المؤسسات الوطنية لتحسين جودة المخرجات التعليمية، خاصة في ظل المعاناة التي يعيشها الخريجون بسبب الفجوة بين المناهج الدراسية وسوق العمل.

وطالبوا- في تصريحات لـ"الرؤية"- بضرورة الاستثمار في رأس المال البشري وتعزيز قدرته على التنافس في سوق العمل، وربط البرامج الجامعية باحتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة.

وقال الدكتور ذياب بن سالم العبري إن تحسين جودة المخرجات العلمية لا يتحقق بإجراءات شكلية أو تعديلات جزئية، بل عبر تطوير متكامل لمنظومة التعليم يربط بين المعايير الأكاديمية واحتياجات الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن المخرجات الجامعية هي انعكاس مباشر لكفاءة النظام التعليمي وقدرته على إعداد كفاءات قادرة على الإسهام في القطاعات الصناعية والإنتاجية والخدمية، كما أن تحسين الجودة يتطلب إصلاحًا منهجيًا لكن ليس بمعنى الهدم، بل عبر تعميق التكامل بين مراحل التعليم المختلفة، وتعزيز مواءمة البرامج الأكاديمية مع بيانات سوق العمل وتوجهاته المستقبلية، فالجامعة ليست كيانًا منفصلًا عن الواقع الاقتصادي، بل شريك في تشكيله، وعليها أن تبني تخصصاتها وبحوثها وفق احتياجات فعلية لا افتراضات نظرية.

الدكتور ذياب بن سالم العبري.jpg
 

وأضاف أنَّه من الضروري إعادة قراءة خارطة التخصصات بوعي استشرافي؛ فبعض المجالات قد بلغت مرحلة التشبع، في حين تتزايد الحاجة إلى تخصصات ترتبط بالتحول الرقمي، والتقنيات الصناعية المتقدمة، والطاقة، والخدمات القائمة على المعرفة، ولذلك فإنَّ القطاع يحتاج إلى توازن رشيد بين استمرارية التخصصات القائمة واستحداث مجالات جديدة تعكس ملامح الاقتصاد القادم، كما أن بيئات التعلم نفسها تحتاج إلى تجديد مستمر، فالجيل الحالي يتطلع إلى تعليم تفاعلي مرن قائم على المشروعات والتجربة والتطبيق العملي لا على التلقين، إلى جانب أن استشراف تطلعات الأجيال القادمة يفرض على الجامعات أن تكون ديناميكية في أدواتها ومناهجها وبنيتها التقنية، وأن تستثمر في المختبرات المتقدمة وتطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس بصورة مستمرة، وكذلك أن تدخل في شراكات حقيقية مع الجامعات الدولية الموثوق بها لنقل الخبر والمعرفة وأفضل الممارسات التعليمية.

وأكد العبري أن الارتقاء بجودة المخرجات العلمية هو مسار وطني مستمر يقوم على وضوح المعايير، وجرأة التحديث، وربط التعليم والبحث بالأولويات الاقتصادية، واختيار شركاء أكاديميين على مستوى عالمي لتعزيز جودة أصيلة لا شكلية، لافتاً إلى أنه في حال تكامل هذه العناصر فإنَّ الجامعة تتحول إلى قوة دافعة حقيقية للتنمية المستدامة وبناء اقتصاد معرفي تنافسي في عُمان.

بدوره، أوضح الدكتور علي بن حمدان بن محمد البلوشي -مستشار أكاديمي- أن جودة البرامج المقدمة من مؤسسات التعليم العالي أصبحت قضية محورية لا تقبل التأجيل، وذلك في ظل التغير السريع والتحول الرقمي المتواصل، إذ لم يعد التعليم مجرد مسار أكاديمي ينتهي بالحصول على شهادة، بل أصبح استثمارا استراتيجيا في رأس المال البشري وقدرته على المنافسة في سوق عمل شديد الديناميكية، مبينا أنه كلما ارتبطت البرامج الجامعية باحتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة، وراعت التحولات التقنية والعلمية، زادت فرص الخريجين في الحصول على وظائف نوعية وأسهموا بفاعلية في دفع عجلة التنمية.

لدكتور علي بن حمدان بن محمد البلوشي مستشار اكاديمي.jpg
 

ولفت إلى أنَّ الفجوة التي يُعاني منها بعض الخريجين اليوم ليست بسبب نقص المعلومات بقدر ما ترتبط بضعف مواءمة المناهج مع الواقع العملي، ما يفرض على الجامعات والكليات مراجعة برامجها بصورة دورية، وتحديث مقرراتها، وتعزيز الجانب التطبيقي عبر التدريب الميداني والشراكات مع القطاعين العام والخاص، إضافة إلى الاستثمار في تطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس وتمكينهم من تبني أساليب تعليم حديثة قائمة على التفكير النقدي وحل المشكلات لا على التلقين والحفظ، مؤكدا أن تحسين جودة المخرجات العلمية يتطلب تبني أنظمة فعالة لضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي، وقياس نواتج التعلم بصورة مستمرة، وربط البحث العلمي بقضايا المجتمع والصناعة، بحيث يصبح للجامعة دور تنموي مباشر يتجاوز حدود القاعات الدراسية.

وتحدث البلوشي عن مجمعو من المهارات الضرورية في قطاع التعليم، مثل المهارات الرقمية مثل تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إضافة إلى مهارات التواصل والعمل الجماعي، والقدرة على التعلم المستمر والتكيف مع التغيير، وروح المبادرة وريادة الأعمال، لافتا إلى أنها مهارات تمنح الطالب مرونة مهنية وتمكنه من بناء مسار وظيفي مستدام، كما أنه يقع على عاتق مؤسسات التعليم العالي دور قيادي في هذا التحول عبر وضع استراتيجيات واضحة ترتبط برؤية وطنية شاملة، وإنشاء مراكز للتطوير المهني والإرشاد الوظيفي، وقياس مؤشرات الأداء مثل نسب التوظيف ورضا أصحاب العمل، ونشر ثقافة الجودة والتحسين المستمر داخل البيئة الأكاديمية.

وأكد البلوشي أنه على الجهات الرقابية وهيئات الاعتماد دورًا مكمّلًا لا يقل أهمية، من خلال وضع معايير دقيقة لقياس جودة البرامج، وتنفيذ زيارات تقييم دورية، ومراجعة مدى توافق المخرجات مع المعايير الوطنية والدولية، وضمان الشفافية والمساءلة، مع دعم خطط التطوير بدلاً من الاكتفاء برصد أوجه القصور، مشيرا إلى أن إصلاح منظومة التعليم أصبح ضرورة ملحة لأن التعليم العالي هو المحرك الأساسي لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وجودته تنعكس مباشرة على قدرة المجتمع على الابتكار والإنتاج والتنافس، ومن ثم فإن الاستثمار في جودة البرامج ليس إنفاقًا تعليميًا فحسب، بل هو استثمار في مستقبل الوطن واستدامة تنميته.

وفي السياق، أكد عصام بن محمود الرئيسي أن سلطنة عمان تبذل جهودًا واضحة في تحسين جودة مخرجات التعليم العالي، غير أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من تطوير المبادرات إلى تعظيم أثرها التطبيقي، بما يعزز مساهمة المخرجات العلمية بالجامعات والكليات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، موضحا أن تحسين جودة المخرجات العلمية لا يرتبط فقط بالجامعة نفسها، بل بالمنظومة التعليمية كاملة من المدرسة حتى الدراسات العليا، وأنه من الضروري ربط البحث العلمي بأولويات الدولة الاقتصادية بأن تتوجه الأبحاث نحو قطاعات استراتيجية مثل: الطاقة المتجددة الأمن الغذائي اللوجستيات والموانئ السياحة المستدامة، حتى يتم تحويل هذه الأبحاث التطبيقية إلى منتجات وخدمات.

الاستاذ عصام بن محمود الرئيسي.jpg
 

واقترح الرئيسي هيكلة نظام الترقية الأكاديمية في الجامعات وتقليل البيروقراطية في تمويل المشاريع البحثية، وتقوية برامج الدراسات العليا بزيادة المنح البحثية للماجستير والدكتوراه، واستقطاب مشرفين دوليين، وربط رسائل الماجستير بمشكلات حقيقية، والاستفادة من نماذج جامعات إقليمية، وإنشاء صناديق تمويل صغيرة، واحتضان أفكار بحثية قابلة للتحول لشركات ناشئة، وتعزيز ثقافة البحث منذ مرحلة البكالوريوس وإدخال مقررات منهجية بحثية تطبيقية، وتشجيع مشاريع التخرج الجماعية المرتبطة بقطاع صناعي، وتنظيم مؤتمرات طلابية سنوية.

ومن وجهة نظره، فإنه يرى أن إصلاح المنظومة التعليمية يحتاج إلى تحديث منهجي تدريجي، لأن الخلل يكمن في التركيز المدرسي على الحفظ لا التفكير النقدي، وضعف التدريب على الكتابة الأكاديمية والتحليل، ووجود فجوة بين مخرجات الثانوية ومتطلبات الجامعة، إلى جانب محدودية الإنفاق البحثي مقارنة بالطموحات، مطالبا بأن يكون الإصلاح المطلوب وفقا للتالي: تعزيز مهارات التفكير النقدي، وإدخال مشاريع بحثية صغيرة في المرحلة الثانوية، وتطوير طرق التقييم لتقيس الفهم لا الحفظ، وتعزيز الاستقلالية الأكاديمية أكبر، وتحفيز التخصصات البينية، وتعزيز شفافية تقييم الأداء البحثي، ورفع نسبة الإنفاق على البحث والتطوير تدريجيًا، وربط التمويل بمؤشرات أداء واضحة، وتحفيز القطاع الخاص للاستثمار في البحث العلمي.

من جانبه، أكد الدكتور محمد بن عوض المشيخي أن تحسين جودة الكوادر الوطنية في مختلف المراحل وخاصة مخرجات الجامعات أصبح من الضروريات في هذه المرحلة بهدف مواكبة الخطط الاستراتيجية للبلاد؛ إذ إن تطوير التعليم الجامعي يعتمد بالدرجة الأولى على حكمة صناع القرار في أي بلد ومدى إيمانهم وإدراكهم بأهمية توطين المعرفة وتعظيمها وتطويعها لخدمة التنمية المستدامة؛ واستخدام التعليم كرافعة وطنية في الاقتصاد المعرفي لتحقيق طموحات المجتمع.

الدكتور محمد بن عوض المشيخي.jpg
 

وأشار إلى أن التحديات التي تواجه مخرجات التعليم تكمن في الجامعات والكليات الخاصة التي تتمحور غايتها الأولى في تحقيق الربح على حساب جودة التعليم وقلة المهارات التي يكتسبها الطلاب في تلك المؤسسات التجارية؛ مضيفا: "هذا لا يعني أن التعليم الحكومي في جامعتي السلطان قابوس وجامعة التقنية والعلوم التطبيقية لا يحتاج إلى تطوير ومتابعة للمخرجات التي تتعرض للنقد باستمرار من الشركات في القطاع الخاص، على الرغم من أنها أفضل حالا من الوافدين الذين يتولون مراكز قيادية كبيرة في مفاصل مختلف القطاعات، بزعم أن الخريج العماني لا يستطيع تولى تلك المناصب القيادية".

وتابع المشيخي قائلا: "لقد تابعت مخرجات العديد من استراتيجيات التعليم في السلطنة منذ 2004، ويتضح من مخرجات تلك الاستراتيجيات بأنها بعيدة كل البعد عن تحقيق الأهداف التي رسمت لها؛ نحن نحتاج إلى تقييم مستمر لما يدور في قاعات وفصول التعليم بشقيه العام والجامعي للوقوف على التحديات وتذليلها؛ فطلبة التعليم العام يشتكون دائما من قلة المهارات وكذلك التطورات العلمية المتمثلة في التطبيقات العلمية والذكاء الاصطناعي؛ إذ إن هناك فجوة بين ما هو موجود في المناهج ويطبق في المعامل وبين ما يدور من تطورات علمية على الساحة الدولية، كما أن التعليم الجامعي يجب أن يرتبط بسوق العمل ويكون هناك تنسيق بين المؤسسات التعليمية والمناطق الصناعية والشركات الكبرى التي تعمل في مختلف قطاعات الإنتاج، ويجب أن يدرك الجميع بأن تطوير العملية التعليمية يعتمد على الثالوث المتمثل في الطالب وما يحتاجه من المعرفة وكيفية تمكينه من ذلك بأفضل الطرق والمناهج المختارة؛ وتشكل المناهج العنصر الثاني بما تحمله من مضامين علمية ومهارات تطبيقية؛ بينما يمثل العنصر الثالث المدرس الذي يقود العملية التعليمية؛ فإعداد المدرس بشكل احترافي والامكانيات التي يتمتع بها تشكل الفارق في مخرجات متميزة، ولكن الواقع ربما أبعد عن تحقيق طموحنا في هذا المجال، فقد غاب عن المخططين الوظائف الأساسية لأي جامعة حيث تكمن الوظيفة الأولى في إكساب الأجيال المعرفة والمهارات التطبيقية للانخراط في العمل، بينما تتمحور الوظيفة الثانية في البحث العلمي الرصين الذي يساعد صناع القرار على تنفيذ المشاريع ووضع السياسات والخطط والأهم من ذلك توفير المال واختصار المدد الزمنية عند وضع الاستراتيجيات التي تبنى على المعرفة؛ أما الوظيفة الثالثة للجامعة خدمة المجتمع المحلي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z