مرتضى بن حسن بن علي
في خضم الثورة التقنية التي يشهدها عالمنا، يبرز الذكاء الاصطناعي كتقنية تحولية تطال جميع مناحي الحياة، بما فيها النظام التعليمي. لم يعد السؤال "هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على التعليم؟" بل أصبح "كيف سيعيد تشكيل دور المعلم نفسه؟". الإجابة تكمن في التحول من نموذج المعلم التقليدي، ناقل المعرفة، إلى نموذج جديد: مهندس التعلم، الذي يصمم تجارب تعليمية مخصصة ويركز على صقل المهارات الإنسانية الفريدة.
التحول الجذري: من ناقل المعرفة إلى مهندس التعلم
لقرون، ارتكزت العملية التعليمية على نموذج المعلم باعتباره المصدر الرئيسي للمعلومات، والحاكم الوحيد للفصل الدراسي. كان دوره يتمثل في نقل معرفة محددة من المنهج إلى أذهان الطلاب، مع التركيز على الحفظ والاسترجاع. أما اليوم، وقد أصبحت المعلومات متاحة بنقرة زر، وغدت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تلخيص المحتوى وشرح المفاهيم بلغات متنوعة، إذ فقد هذا النموذج تقليده جوهره. لم يعد الطلاب بحاجة إلى "موسوعة متحركة"، بل يحتاجون إلى مرشد ومصمم للرحلة التعليمية.
هنا يأتي دور "مهندس التعلم". هذا المعلم الجديد لا يكتفي بتقديم المعلومة، بل يصمم ويشيد بيئات تعليمية غنية ومعقدة. إنه مثل مهندس معماري يرسم الخطط لمباني معرفية تتناسب مع أسس وقدرات كل طالب. مهمته هي تحليل احتياجات كل متعلم، ونقاط قوته، وأسلوبه المفضل في التعلم، ثم بناء مسار تعليمي مخصص يشمل مجموعة متنوعة من الموارد: دروس رقمية تفاعلية، مشاريع تعاونية، أنشطة عملية، وأدوات ذكاء اصطناعي مساعدة. يصبح الفصل الدراسي ورشة عمل ديناميكية، وليس قاعة محاضرات سلبية.
التخصيص: قلب عملية التعلم الجديدة
يمثل التخصيص الركيزة الأساسية في فلسفة مهندس التعلم. في الماضي، كان المنهج الموحد هو القاعدة، مما تسبب في إهمال الفروق الفردية. اليوم، بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي التحليلية، يستطيع المعلم الحصول على بيانات دقيقة عن تقدم كل طالب، والفصول التي يتعثر فيها، والمواضيع التي يتفوق بها. بناءً على هذه الرؤى، يصنع مسارات تعلم متعددة داخل الصف الواحد. قد يعمل مجموعة من الطلاب على مشروع بحثي متقدم باستخدام الذكاء الاصطناعي لجمع البيانات، بينما تتلقى مجموعة أخرى دعمًا مكثفًا في المهارات الأساسية عبر برامج تعليمية تكيفية. المعلم هنا هو قائد الأوركسترا الذي ينسق بين الآلات المختلفة لينتج سمفونية تعلم متناغمة.
صقل المهارات الإنسانية التي لا تُستبدل
إذا كان الذكاء الاصطناعي يتولى مهمة توفير المعلومات وإجراء العمليات الحسابية المعقدة، فماذا يتبقى للإنسان؟ الجواب يكمن في مجموعة من المهارات الإنسانية العميقة التي تظل حكرًا على البشر، وهنا يلمع دور مهندس التعلم الحقيقي:
1. مهارات التواصل والتعاطف: لن تستطيع الخوارزمية أبدًا أن تلمس يد طالب قلق لتهدئته، أو أن تشارك فرحة طالب حقق إنجازًا بعد صعوبات. المعلم مهندس التعلم هو نموذج للذكاء العاطفي. يدير الحوارات الصفية العميقة، ويُعلّم الطلاب كيفية الاستماع الفعال، واحترام الرأي المختلف، والتعبير عن الأفكار بمهارة وتعاطف. يصمم أنشطة مثل المناظرات وتمثيل الأدوار والعمل الجماعي لتعزيز هذه المهارات.
2. التفكير النقدي والإبداعي: في عصر المعلومات السريعة والمضللة أحيانًا، تصبح القدرة على تحليل المصادر، وتمييز الحقائق من الآراء، وتقييم منطق الحجج، هي الدرع الواقي للطالب. مهندس التعلم لا يقدم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة محورية تتحدى الافتراضات. يصمم مشكلات مفتوحة النهاية تشجع على الابتكار، ويوجه الطلاب لتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي نفسها بنظرة ناقدة، بدلاً من قبولها كمسلّمات.
3. بناء الشخصية والقيم: التعليم ليس مجرد تحصيل علمي، بل هو عملية تشكيل للإنسان. المعلم هو المرآة التي يرى الطالب من خلالها القيم مثل النزاهة، والمثابرة، والمسؤولية الاجتماعية، واحترام التنوع. من خلال القصص، ومناقشة المعضلات الأخلاقية، والمشاريع الخدمية التي يصممها، يساعد المعلم الطلاب على تطوير بوصلة أخلاقية قوية في عالم معقد.
التحديات وآفاق المستقبل
لا يخلو هذا التحول من تحديات. فهو يتطلب إعادة تأهيل جذرية للمعلمين الحاليين، وتطوير برامج إعداد جديدة تركز على التصميم التعليمي والذكاء العاطفي وتقنيات دمج الذكاء الاصطناعي. كما يحتاج إلى دعم مؤسسي وتغيير في أنظمة التقييم التي لا تزال تعتمد كثيرًا على الحفظ. لكن الآفاق واسعة: معلمون أكثر إشباعًا لدورهم، وطلاب أكثر استعدادًا لمستقبل متغير، ومجتمعات تقوم على أفراد مفكرين، مبدعين، ومتعاطفين.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الخوف على وظيفة المعلم مبررًا، بل يجب أن نركز على إعادة تعريفها. المعلم الذي نحتاجه ليس منافسًا للآلة، بل هو قائدها وموجهها. إنه مهندس التعلم: مهندس بيئات التعلم، ومصمم التجارب الشخصية، والصانع الحقيقي للعقول الناقدة والقلوب المتعاطفة. استثمارنا في إعداد هذا النوع من المعلمين هو استثمار في أهم مورد بشري: العقل والوجدان الإنساني، ليبقى دائمًا في مقدمة المشهد، حتى مع تقدم أقوى التقنيات.
