مرتضى بن حسن بن علي
في صباح دراسي عادي اليوم، يستطيع طالب أن ينهي واجبًا مدرسيًا خلال دقائق فقط. ليس لأنه عبقري، بل لأنَّ أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على كتابة التقارير، حل المسائل، وتحليل النصوص بسرعة مُذهلة.
في المقابل، تحاول المدارس والجامعات تطوير برامج لكشف ما يُسمى "الغش بالذكاء الاصطناعي"، في سباق تقني يشبه لعبة القط والفأر. لكن المُفاجأة أن دراسة حديثة من جامعة ستانفورد أظهرت أنَّ أدوات الكشف نفسها تخطئ كثيرًا؛ فهي أحيانًا تتهم طلابًا كتبوا أعمالهم بأنفسهم، وفي أحيان أخرى تفشل في اكتشاف النصوص التي أنتجتها الآلة فعلًا.
هذه المشكلة ليست تقنية فقط، بل تكشف سؤالًا أكبر: هل المشكلة في الطلاب… أم في طريقة التعليم نفسها؟
المدرسة التقليدية تواجه اختبارًا صعبًا
عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجاز الواجب خلال ثوانٍ، فهذا لا يعني فقط أن الطلاب يغشون، بل ربما يعني أن نوعية الواجب لم تعد مُناسبة لعصرنا؛ فالمدرسة التقليدية قامت لسنوات طويلة على فكرة بسيطة: حفظ المعلومات واسترجاعها. لكن هذه المهمة أصبحت اليوم من أسهل ما تقوم به الآلات. لذلك فإنَّ محاولة منع الطلاب من استخدام الذكاء الاصطناعي دون تغيير طبيعة التعلم تشبه محاولة إصلاح قارب قديم بدلًا من بناء سفينة جديدة.
السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نمنع استخدام الذكاء الاصطناعي؟ بل: ماذا يجب أن يتعلم الإنسان عندما تستطيع الآلة القيام بمُعظم المهام الروتينية؟
مدرسة جديدة لعصر جديد
المدرسة التي نحتاجها اليوم ليست ضد التكنولوجيا، بل مدرسة تستخدمها بطريقة أذكى، وتركز على المهارات التي لا تزال إنسانية في جوهرها.
1. مدرسة المشاريع الواقعية: بدلًا من كتابة تقارير نظرية، يعمل الطلاب على حل مشكلات حقيقية في مجتمعهم. قد يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، لكنهم هُم الذين يبتكرون الحلول ويعرضونها ويناقشونها. هنا يصبح التعلم تجربة عملية، لا مجرد واجب ورقي.
2. مدرسة التفكير والنقاش: لم تعد الأسئلة ذات الإجابة الواحدة كافية. المطلوب هو تدريب الطلاب على التحليل والمقارنة والنقاش. يمكن للطلاب مثلًا مقارنة إجابات مختلفة يقدمها الذكاء الاصطناعي حول قضية ما، ثم تقييمها واكتشاف نقاط القوة والضعف فيها.
3. مدرسة الوعي الرقمي والأخلاقي: استخدام الذكاء الاصطناعي لن يكون ممنوعًا، بل جزءًا من التعلُّم نفسه. يتعلم الطالب كيف يتحقق من المعلومات، وكيف ينسب الأفكار إلى أصحابها، وكيف يستخدم التقنية بشكل مسؤول دون أن يفقد استقلالية تفكيره.
4. مدرسة التقييم المستمر: بدلًا من امتحان واحد يُحدد مستقبل الطالب، يصبح التقييم عملية مستمرة عبر ملفات إنجاز تجمع المشاريع والعروض والنقاشات والتجارب التي مر بها الطالب خلال العام. المهم هنا هو رحلة التعلم، لا نتيجة اختبار واحد.
المعلم… دور جديد لا أقل أهمية
في هذا النموذج الجديد، لا يختفي دور المعلم، بل يصبح أكثر أهمية؛ فالمعلم لم يعد مجرد ناقل للمعلومات أو مراقب للامتحانات، بل مصمم لتجارب تعليمية ومرشد يساعد الطلاب على التفكير وطرح الأسئلة الصحيحة. وهذا يتطلب الاستثمار في تدريب المعلمين ومنحهم مساحة أكبر للإبداع داخل الصفوف الدراسية.
فرصة تاريخية لا تهديدَ
ينظر البعض إلى الذكاء الاصطناعي كخطر يهدد التعليم، لكن الحقيقة أنه كشف فقط نقاط الضعف التي كانت موجودة منذ سنوات. المشكلة ليست في التكنولوجيا؛ بل في نموذج تعليمي لم يعد يواكب الزمن.
وبدلًا من الدخول في سباق لا نهاية له لكشف الغش، يمكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة تعزز التعلم الحقيقي. فعندما تصبح المهام التعليمية قائمة على التفكير والإبداع والعمل الواقعي، لن يكون السؤال: "هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟"، بل سؤالًا أهم بكثير: ما الفكرة الجديدة التي أضفتها أنت؟ وماذا تعلمت خلال رحلتك؟
المدرسة التي نحتاجها اليوم ليست قلعة تُحارب التكنولوجيا؛ بل بيئة تُنمِّي ما لا تستطيع الآلة امتلاكه: الفضول، والإبداع، والتعاطف، والحكمة الإنسانية.
