سيرة الحب في "الفالانتاين"

 

 

 

آية السيابي **

 

يوم الرابع عشر من فبراير في كل عام، يضج العالم بكل أطيافه ناشرا الورود الحمراء في بذخ جميل تعبيرا عن الحب. وتنهمر الرسائل بين العشاق، والأصدقاء، والإخوة كيوم يرمز إلى الحب ويذكّر به. بينما يرفضه كثيرون آخرون، من منطلق أن الحب في الإسلام لا عيد له. وإن تخصيص يوم له بدعة أو تقليد دخيل.

غير أننا إذا تأملنا الفكرة بشكل محايد وهدوء، نجد أنَّ المسألة ليست في اليوم ذاته، ولكن في المعنى الذي يُحمَّل به. فالإسلام لم ينفِ الحب، حيث جعله أصلا من أصول العلاقات الإنسانية. كما لم يُحرّم الفرح المشروع، ولا إظهار المشاعر المباحة، ولكن ضبطها بالأخلاق. حيث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن متحفّظا في إعلان محبته حين سُئل: "من أحب النَّاس إليك؟" قال: "عائشة".

ما يجعل الحب مبدأ إيماني قويم. وإذا كان الإسلام لا يحصر الحب في يوم، فإنه كذلك لا يمنع تذكّر فضيلته في يوم مخصوص، ما دام ذلك لا يحمِل طقساً تعبدياً بعينه ولا يخالف أصلا شرعيا. وجعل يوم ما مناسبة لتبادل كلمات طيبة أو إحياء مودّة خامدة، لا ينتقص من شمولية المحبة في الإسلام، بقدر ما يكون تذكيرا بها. فالدين الذي سمّى نفسه رحمة، وافتتح كتابه بـالرحمن الرحيم، لا يكون خصما لقيمة الحب، بل هو سياقها الأوسع. والمسألة، في النهاية تكمن في ترجمة معنى المودّة التي أرادها الله سكنا بين الناس. أما عن السياق التاريخي لهذا اليوم، فقد قيل إنه انطلق من روما القديمة التي كانت تحتفل بالخصب وتجدد الدم في عروق الطبيعة في منتصف شهر فبراير من كل عام. ويروى أيضاً بأن الإمبراطور كلوديوس الثاني، كان يمنع زواج الجنود اعتقادا منه بأن العُزّاب أكثر شراسة في القتال، لكن فالانتاين وهو كاهن روماني كان قد خالف أمر الإمبراطور بتزويج الجنود سراً، فاعتُقل وأُعدم في 14 فبراير. وبهذا أصبح هذا اليوم رمزا للدفاع عن الحب بعد إعلان الكنيسة الكاثوليكية بشهادة القديس فالانتاين الذي أصبح يحمل لقب "الشهيد" بعد إعدامه في القرن الثالث الميلادي. وبهذا خصص هذا اليوم للحب وتحولت الفكرة من فعل إعدام بيولوجي إلى موقف أخلاقي يحتفي به العالم.

وقد جاء في الإصحاح الثالث عشر في العهد الجديد، رسالة الرسول بولس في المحبة حيث قال: (وَإِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ. وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا. وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أُحْتَرِقَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَا أَنْتَفِعُ شَيْئًا. الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لَا تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لَا تَتَفَاخَرُ، وَلَا تَنْتَفِخُ، وَلَا تُقَبِّحُ، وَلَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلَا تَحْتَدُّ، وَلَا تَظُنُّ السُّوءَ، وَلَا تَفْرَحُ بِالإِثْمِ، بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.  الْمَحَبَّةُ لَا تَسْقُطُ أَبَدًا. وَأَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَسَيُبْطَلُونَ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. لِأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ، وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ).

وفي التراث اليهودي، جاء في التلمود البابلي (سوتاه 17أ): "إذا استحق الرجل والمرأة، سكنت بينهما الشخيناه" يعني الحضور الإلهي والتجلي الإلهي الذي يسكن بين الناس؛ تعبيرًا عن قرب الله وبركته في العلاقة القائمة على الاستقامة الأخلاقية، والاحترام، والطهارة، والعدل. ثم تحوّل الرابع عشر من فبراير، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى مناسبة لتبادل الرسائل، ثم إلى صناعة رأسمالية كاملة. فتجد الورود المستوردة تأخذ أشكالا وألوانا جاذبة، والشوكولاتة المغلفة مصممة بعناية.

ولم يعد السؤال: كيف نحب؟ بل: ماذا سنشتري لنبرهن ونُعيد إحياء هذا الحب؟ وهذا ما حدث حين وصل الحب إلى عصر السوق.

** كاتبة وروائية عُمانية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z