د. عبدالله باحجاج
العنوان أعلاه هو نتيجة استقراء لما كشفه الادعاء العام عن حالات التَّحرش بالأطفال لعام 2025، وكل عُماني تابع المُؤتمر السنوي للادعاء العام، وما عرضه من إحصائيات وخلفيات، سيتوقف عند شفافيتها وصراحتها من قمة الادعاء العام.
صحيحٌ أن الشفافية والصراحة كانتا صادمتين، لكنهما منبهتان للوعي المجتمعي العميق، وقد نقلتا الوعي إلى التساؤل عن طبيعة الأوضاع الاجتماعية في كل محيط أسري، وحمَّلته مسؤولية القضية ببُعديها الآني والمستقبلي، وتحمُّل الوعي المؤسسي بكل خلفياته التربوية والتعليمية والإعلامية لفهم الكثير من التحولات الفردية والمجتمعية. وبصراحة المختصر، فقد أجبرت النَّاس في داخلنا الوطني والخارجي على إعادة تقييم وتقويم أو إعادة النظر في أوضاع الأطفال؛ بدءًا من الأسرة والحي إلى المدرسة والإعلام... إلخ.
وكل أبٍ أو ولي أمرٍ لم يقع في تأثير الصدمة، ولم يتخذ الخطوة التالية حتى الآن، فهو لم توقظه الغائية من الشفافية والصراحة، وبالتالي مسؤوليته ينبغي أن تكون أكبر، وكل ما نخشاه هنا أن تكون هذه الحالات غارقة في وَهْم الانكار أو الاستبعاد، والجزم أنَّ محيطها مُستثنى من وقع الصدمة، وقد تكون كذلك، لكن هذا لا يمنع من فتح الملف للوقاية والحماية وتثبُّت المسير، بعد انكشاف حالاتٍ من قبل الادعاء العام؛ بل إن الادعاء العام يُقدم لنا كبرى الموجبات وأهميتها في أن يُسارع كل ولي أمر أو أسرة أو مؤسسة، إلى استدراك المآلات وسد الأسباب المؤدية للاختلالات. ونقولها بصراحة: إذا لم توقظ صراحة وشفافية الادعاء العام الوعي المجتمعي، فماذا بعدها يمكن الرهان عليه سوى إشراك المحيط في العقوبة؟!
عدد القضايا الذي كشفه الادعاء العام، لم يعد الصمت حياله خيارًا، والردع القانوني وحده لا يكفي دون وعي مُجتمعي، وعندما يتكلم الادعاء العام بهذه الشفافية والصراحة، فهذا يعكس تأخُّر المجتمع، أو أن التأخير المجتمعي يتأصل بصمتٍ مُقلقٍ، ومن ثم لا بُد من وعيه بالحقائق عن طريق الصدمة. وهنا نقطة تحوُّل في التعامل مع الظاهرة ليس كونها محلية؛ بل عالمية عابرة للحدود، فلا بُد من إغلاق كل الأبواب والنوافذ لعبورها داخلنا، ولا بُد من استنهاض دور الأسرة والمدرسة والإعلام للقيام بأدوارهم عاجلًا، وأن أي سياسة وقائية أو إعلامية تجد مبرراتها الآن في هذه الانكشافات، وهذه الأخيرة تعني في حد ذاتها أنَّ الظاهرة لم تعد تستوجب المُعالجة الصامتة؛ بل والعلنية أيضًا. وتعني كذلك أنَّ هناك أدوارًا للمؤسسات كالأسر واللجان والدوائر الاجتماعية في كل محافظة ومجالس الآباء والأمهات والمدارس والإعلام والمساجد، ينبغي أن تُسارع في القيام بها من منظور الوقاية والحماية.
وهناك 3 أنواع للتحرش بالأطفال؛ وهي: التحرش اللفظي، والتحرش الجسدي، والتحرش الإلكتروني/ الرقمي، ولكل نوع له عقوبته المشددة في بلادنا. وهناك عوامل بيئية مساعدة ينبغي العمل فورًا على القضاء عليها، ونقصد العوامل البيئية هنا الظروف المحيطة بنمو الأطفال والعالم الخارجي الذي يعيشون فيه، والذي يُمكن أن يُؤثر على نموهم الجسدي والعقلي والعاطفي والاجتماعي. ونرى أنَّ هذه الخطوة التالية والعاجلة التي ينبغي أن تفتح بُعيد انكشافات الادعاء العام مشكورًا.
ومن الأهمية هنا أن تبحث كل ولاية عن هذه العوامل في نطاق ترابها الوطني، ونقترح إنشاء لجنة مختصة في كل ولاية تتبع مؤسسة الوالي، وليس في كل محافظة، على أن تضم أعضاء مجلسي الشورى والبلدي عن كل ولاية، ومن مجالس أولياء الأمور وإدارة المدارس الخاصة والحكومية وأولياء الأمور، وتوكل لها مسألة العوامل البيئية التي هي خط الدفاع الأول لحماية الأطفال؛ فالبيئة المحيطة بالطفل هي أداة أساسية لبناء مستقبل الأطفال، ومن الجهوية الترابية لتموقعنا السكني الدائم، نرى أنَّ هذه البيئة فيها مجموعة من الاختلالات التي لها انعكاسات سلبية على تنشئة ونمو الأطفال.
الكثير من الأطفال يكونون خارج منازلهم لساعات متأخرة من الليل، والكثير من محال التبغ ومراكز التسلية (الألعاب الإلكترونية والبلياردو وغيرها) منتشرة داخل الأحياء وبالقرب من المدارس والمساجد، فعندما يخرج الطفل- مثلًا- من منزله لشراء حاجة له ولأسرته من المحال التجارية المُقابلة لمنزله، سيجد أمامه محل بيع التبغ بدعاية مثيرة مكتوبة على واجهة المحل، وقد تناولناها في مقالات سابقة. ولا غرابة عندما نكتشف أن بعض الأطفال يدخنون التبغ في المدارس، كما يخرج الآباء من منازلهم ولا يعودون إليها إلّا ليلًا، ولن نُبالغ إذا ما قلنا إنَّ هناك أطفالًا لديهم نقالات حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وبعض الأمهات قد تنازلن عن مهمة التربية والتنشئة لعاملات المنازل حتى لا يُتعبن أنفسهن، ويسافرن للخارج في العُطل لفترة زمنية طويلة، وأطفالهن مع العاملات في المنازل.. فماذا نتوقع من هكذا تحولات؟
ومهما شددنا العقوبات، وفعَّلنا المؤسسات؛ فالبيئة المحيطة بمثل هؤلاء الأطفال لا تُساعد على حمايتهم؛ بل العكس، فهي من العوامل الأساسية التي توقع الأطفال في فخاخ متعددة الضرر.
ولذلك.. نقترح أن تُقدم السلطات المختصة في بلادنا على فرض قيود على استخدام القُصَّر لوسائل التواصل الاجتماعي، واتخاذ تدابير واسعة النطاق تشمل التحقق من العمر وتنقية المحتوى وإزالته، وهناك دول كثيرة قد أقدمت على ذلك مثل أستراليا، وأخرى في طور الإنتاج التشريعي كتركيا. وقد أحسن الادعاء العام بتعرية هذه الحالات والقضية المسكوت عنها في الوقت المناسب. ونرى أن الخطوة التالية تقع على بقية المؤسسات الأخرى سالفة الذكر، ومن المُسلَّم به التفاعل المجتمعي، لكن حين تقابل الشفافية والصراحة بالصمت أو كأن شيئاً لم يكن، فهنا القلق.
هنا همسة مختصرة نوجهها لكل زوج وزوجة، أن الزوجة والزوج حين يقرران تأسيس مؤسسة الزوجية لا يعود المال ملكًا فرديًا، ولا القوت حقًا خالصًا لكل منهما أو كلاهما؛ بل يتحولان إلى شراكة ملتزمة، فكيف إذا ما أنجبا ذريةً؟ وهنا نُذكِّر أنفسنا بهذا الحديث النبوي الشريف "كُلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته"، وهذا الحديث الجليل دعامة كبرى في القيام بالواجبات والحقوق، والإحسان في الأعمال والرعاية لما في اليد، كما إنه يُقرِّر مسؤولية كل فرد فيما وُكِّلَ إليه من نفوس وأموال ومصالح وأعمال. وتأسيس الحياة الزوجية يعني الانتقال من الحياة الفردانية إلى التشاركية، ومن المال الخاص إلى المال الأُسري، ومن الوقت الخاص إلى وقت يُوظَّف لصالح الأسرة.. إلخ، وكل من ليس لديه استعداد لهذه التحولات، فعليه بفردانيته، وألّا يضخ للمجتمع ضحاياه.
