د. خالد الكندي
أيام معدودات ويحل علينا شهر رمضان المبارك ضيفًا عزيزًا ومعه الاستثناء، رمضان الذي يوقظ في دواخلنا المعاني التي خمدت في الأشهر السابقة تحت غبار العادة والانشغالات والأنماط الاجتماعية المختلفة. ليس رمضان شهر للعبادة وحسب، بل هو موسم استثنائي لا مثيل له بين أشهر السنة للكثير من الاعتبارات.
رمضان منحة إلهية تتجاوز ملامحها موضوع الطعام والشراب إلى مفهوم الانتقال من رتابة الأيام وسكونها إلى كثافة المعاني الروحية والمقاصد الإيمانية واللطائف التعبدية والتجليات السامية الوجودية، فقد أعلن القرآن الكريم في أكثر من موضع خصوصية هذا الشهر الفضيل كحالة نزول القرآن الكريم والاصطفاء الزمني في ليلة هي خير من ألف شهر ومضاعفة الأجور وفيض الحسنات، وليس الصيام غاية في ذاته وليست التقوى حالة عابرة في شهر رمضان، وإنما هو مقام عزيز يعاد بناؤه وفرصة متجددة لإعادة ضبط البوصلة الروحية والاتجاه الإيماني الصحيح.
في رمضان يكون الزمن شريكًا في تشكيل مفهوم الطاعة وبناء الوعي التعبدي، فمن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، إذن ليس رمضان محلًا للعفو الجزئي بل غفران شمولي وميلاد روحي يمنح الإنسان فرصة جديدة في علاقته مع خالقه، ومثل هذه الفرصة الموسمية لا تعكس مجرد عطاء سخي إلا لأجل ما اختص به هذا الشهر المبارك من فضيلة على بقية الشهور، وحسبك أن يكون فيه العطاء استثناء من رب العزة والجلال فيكون فيه هو وحده من يجزي به، فقوله في الحديث "إلا الصوم فإنه لي" يشي بدلالة الاستثناء والتخصيص والتمييز لهذه الحالة الإيمانية الخاصة، لكون عبادة الصوم عبادة خفية كامنة في عمق الشعور، فهي ليست ظاهرة للناس كحال الصلاة وأعمال الحج وغيرها من الشعائر الدينية التي قد تظهر للناس بشكل أو بآخر وربما يعلق بها شيء من الرياء أو العجب النفسي، لهذا كان ملمح السرية والخصوصية لهذه العبادة كفيل بتمثلها للعلاقة الخاصة والحميمية الإيمانية المباشرة بين العبد وربه.
إنه شهر اختبار الوعي والإرادة والعزم على ميلاد الإنسان في طهر جديد وسلوك جديد وقلب أكثر سلامة وطمأنينة، لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
