"بيت الحكمة" في الشارقة يحتفي بـ"لاعب النرد": رحلة تفاعلية في شعر وهوية محمود درويش

 

 

 

الشارقة- الرؤية

 

يُنظِّم بيت الحكمة في إمارة الشارقة معرضًا استثنائيًا بعنوان «لاعب النرد: محمود درويش» على مدى أربعة أشهر، في تجربة أدبية ثرية تتيح لجمهور الشعر والأدب العربي مساحة غير مسبوقة للتأمل في تجربة الشاعر الفلسطيني الكبير، بوصفه مرآة مكثفة لوجدان أمة بأكملها، وسجلًا مشحونًا بتقلبات الإنسان العربي في زمن مضطرب، وليس باعتباره ظاهرة فكرية منفصلة عن سياقها الإنساني والتاريخي العميق.

من هذا المنظور، تتحول تجربة درويش في أروقة المعرض إلى رحلة بين الإنسان والتاريخ، والذاكرة واللغة، والحب والفقد؛ حيث تتشكل الهوية في تلاقٍ مستمر مع الغياب والحنين والأسئلة الكبرى التي لا تنتهي. ومن خلال أعمال خالدة يمتزج فيها الرومانسي بالانفعالي النضالي والإنساني، يتجلى حضور درويش هنا في تحول قصائده إلى سجل حي ومرآة تعكس الشخصية العربية المعاصرة، وتكشف عن تناقضاتها الداخلية ومعاناتها بين الحنين للوطن وألم الشتات.

درويش يحمل وجوهنا جميعًا

في هذا المعرض، الذي استلهم اسمه من أشهر قصائد درويش، نلتقي وجهًا لوجه مع الشاعر والرمز الذي عرف نفسه بنفسه من خلال ستة أوجه، كأوجه النرد، تعيد رسم ملامح الابن الذي حمل قريته في الذاكرة بعد أن غادرها؛ والشاعرِ الذي أعاد تعريف اللغة؛ والمنفِيّ الذي حول الغياب إلى وطن؛ والعاشق الذي صاغ من الحب أنشودة حياة؛ والمقاوم الذي جعل من القصيدة وطنًا؛ والغائب الحاضرِ الذي ظل صوتُه أكثر حضورًا بعد الرحيل.

ينسج المعرض تجربة تفاعلية متعددة الجوانب، لا تكتفي بالتوثيق البصري لسيرة محمود درويش، بل توظف تقنيات سمعية وبصرية حديثة تتيح للزائر الانغماس في عالمه الشعري والنثري، وتتبع تحولات صوته الإبداعي عبر محطات حياته المختلفة.

ومن خلال التأمل في طفولته المبكرة في قرية «البِرْوة» وتأثيرات البيئة التي شكلت وعيه الأدبي، وصولًا إلى الأعمال التي كتبها في مراحل المنفى المختلفة، يقدم المعرض قراءة غير تقليدية لمسيرة درويش؛ قراءة لا تلتزم بالتسلسل الزمني بقدر ما توثق التحولات الجوهرية في رؤيته الشعرية. وفي تداخل متقن بين الكلمة والصورة والموسيقى، تتحول تجربة الزائر إلى رحلة تعبيرية تُجلّى إيمان درويش بقوة الكتابة كفعل وجودي يقاوم الغياب؛ فالكتابة عنده هي الحبل الذي يمسك بالأمل ويشق الطريق نحو الحرية وانتصار الروح والإرادة على قسوة الواقع وبطش الاحتلال، كما أعلن هو بنفسه في جدرايته الشهيرة: «سأصير يومًا ما أريد».

لوحة فنية وثقافية متكاملة

على امتداد أربعة أشهر، يقدم بيت الحكمة برنامجًا ثقافيًا متكاملًا يواكب معرض «لاعب النرد: محمود درويش»، ويتجاوز فكرة الاحتفاء التقليدي إلى بناء تجربة حية تتقاطع فيها السينما والشعر والموسيقى والحوار الثقافي. يشمل البرنامج عروض أفلام وثائقية، من بينها فيلم «محمود درويش… والأرض كأنها لغة»، إلى جانب جلسات شعرية وأدبية ضمن برنامج «حديث الحكمة»، وأمسيات شعرية بالتعاون مع جمعية شعراء الإمارات، بمشاركة شعراء ونقاد وأدباء منهم من عاصر درويش وأسهم في مقاربة تجربته عبر القراءة والتأمل.

ويعزز المعرض حضوره الجمالي عبر عروض فنية وموسيقية نوعية، من أبرزها فقرة موسيقية قدمها الفنان مارسيل خليفة أثناء حفل الافتتاح، مستوحاة من قصائد درويش مثل «ريتا» و«أمي» و«في البال أغنية». كما يضم المعرض أعمال الفنانة منى السعودي ضمن مشروع «تحية إلى محمود درويش»، وأعمال الفنان التشكيلي سليمان منصور، وفي مقدمتها لوحته الأيقونية «جمل المحامل» التي تختزل معاناة الفلسطينيين وصلابتهم معًا، ليشكل البعد البصري امتدادًا رمزيًا لعمق التجربة الشعرية والفكرية لدرويش.

ويأتي تنظيم هذا المعرض الاستثنائي كثمرة تعاون مؤسسي على المستويين المحلي والإقليمي، بمشاركة المتحف الفلسطيني، ومؤسسة محمود درويش، ومركز خليل السكاكيني الثقافي، ومؤسسة بارجيل للفنون، و«أكتوبر غاليري» في لندن، فيما يحظى المعرض برعاية رسمية مصرف الشارقة الإسلامي، وبدعم من دائرة العلاقات الحكومية، والمكتب الإعلامي لحكومة الشارقة، وغرفة تجارة وصناعة الشارقة، وهيئة الإنماء التجاري والسياحي.

درويش .. الضرورة الراهنة

يجسد «لاعب النرد» الفهم العميق لبيت الحكمة للثقافة العربية بوصفها أداةً لتمكين الإنسان العربي من قراءة ذاته وتاريخه في لحظات التحول والاضطراب. ومن هذا المنطلق، يُعاد تقديم محمود درويش نموذجًا للمثقف الذي اشتغل داخل اللغة ذاتها، وجعل من الشعر مساحة نقدية مفتوحة تُبقي الواقع في المقدمة رغم محاولات الطمس والتغييب، وتصل بين الحساسية الجمالية والوعي السياسي، وبين الشعر بوصفه فنًا وبوصفه معرفة.

بهذا المعنى، يطرح يقدم «لاعب النرد» محمود درويش للجمهور العربي باعتباره ضرورة راهنة، لا بوصفه ذاكرة منجزة، بل سؤالًا ثقافيًا مفتوحًا في لحظة مفصلية: كيف نعيد فهم ذواتنا حين يتشابك العالم من حولنا؟ ويقترح المعرض، عبر تجربة شاعر، أن الإجابة تبدأ من اللغة، ومن الثقافة القادرة على إعادة الإنسان إلى مركز المعنى، بوصفه كائنًا مرئيًا، ومفكّرًا، وحاضرًا في تاريخه.

وينسجم المعرض، الممتد حتى 13 مارس تزامنًا مع ذكرى ميلاد محمود درويش، مع الرؤية الثقافية التي أرستها إمارة الشارقة عبر عقود، والتي جعلت من الأدب والفكر والقراءة والفنون نوافذ مشرعة على وعيٍ حي ومتجدد، حيث تتحول المعرفة إلى ممارسة يومية للتفكير والحوار وإعادة الاكتشاف.

7.jpg
6.jpg
5.jpg
4.jpg
3.jpg
1.jpg
2.jpg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z