محمد بن رامس الرواس
أصبح العالم اليوم يدار بمصالح فئوية، وبلغات ولهجات متعددة من التهديد والوعيد ممن يملك القوة، وهذه الأمور أشبه ما تكون بعيدة عن السياسة العُمانية الهادئة الواثقة التي تحافظ على السرية ولا تسرب الأخبار قبل أوانها؛ فمسقط أصبحت بمثابة البوصلة الآمنة والملاذ المطمئن للكثير من الفرقاء الذين يطلبون المكان الذي لا يتدخل فيه المضيف أثناء المفاوضات؛ بل يقوم بدوره كوسيط نزيه يعرف الحقوق والواجبات في مسألة تقريب وجهات النظر والوصول إلى تفاهمات والتوافق بين الفرقاء لأجل الحصول نتائج مردها إلى السلام والأمن الإقليمي والدولي.
والدور العُماني بلا شك يأتي استجابة لطلب الآخرين فحين يأتي الفرقاء تكون سلطنة عُمان مرحبة بهم بالكامل هادفة إلى غلق أبواب الاختلاف بين الفرقاء مع السعي الصادق نحو نتائج إيجابية.
إنَّ الحيادة أمر جد صعب؛ فالحياد لا يشترى، ولا يمكن أن تمتلكه الدول بين يوم وضحاها؛ بل هو إرث موجود بتاريخ الشعوب تكتسبه عبر عقود طويلة من الزمن كانت فيها خير وسيط للجميع، ومرد هذه الميزة أن يكون المضيف لا يتبع ولاءات ولديه تلك القوة من الصمت ويتسم بالوقار والحكمة.
ويستند الدور العماني هذا إلى إرثٍ تاريخي، إرثٍ صاغته الشخصية العُمانية الميّالة للحوار مؤمنةً بأنَّ لغة الحكمة أجدى من ضجيج السلاح، ولقد تعاقبت القيادات العُمانية من خلال سلاطينها الأجلاء على تحويل الدبلوماسية من بروتوكولات جامدة إلى مدرسة فكرية تُعلِّم العالم كيفية بناء الجسور حين تُهدَم، والهدوء الاستراتيجي كيف يعاد حين يستعر صناع الحروب ويشعلوا وقودها. إنها مدرسةٌ ترى الأمن وحدةً لا تتجزأ، وتتعامل مع الأزمات بوصفها جراحات تحتاج سياسة صبورة، وحين تفتح مسقط أبوابها للملفات الشائكة؛ فهي لا تفعل ذلك لالتقاط صورةٍ عابرة، بل لإيمانٍها العميق بأن رأب الصدع أسبق من تسجيل النقاط، وأن جمع الفرقاء أنفع من إدارة الخصومات حيث إنها تمارس دور التقارب بين المتباعدين، وتُطفئ جذوة الفتنة قبل أن تستحيل حريقاً لا يمكن التنبؤ بكيفية إطفائه.
ولعلّ الملف اليمني يبرز كشاهد حي على عبقرية هذه السياسة؛ ففي الوقت الذي انغلقت فيه الأبواب، بقيت مسقط النافذة الوحيدة المفتوحة، والملاذ الذي يطمئن إليه الفرقاء اليمنيون على اختلاف مشاربهم، فكانت اللقاءات في مسقط الهادئة تُنزع فتائل الأزمات بصبرٍ استراتيجي؛ حيث لا تبحث السلطنة عن نصرٍ سياسي لنفسها؛ بل استعادة الأمن لجيرانها، مؤمنةً بأن استقرار اليمن هو جزء لا يتجزأ من سكينة المنطقة.
ختامًا.. يُبرهن النموذج العُماني في سياسة التقارب أن القوة الناعمة- إذا اقترنت بالاتزان والمصداقية- تفوق في أثرها أصوات المدافع والصواريخ، إن مسقط ليست مجرد مكانٍ للمفاوضات، بل مختبر سلام، وصورةٌ حيةٌ لمشروعٍ مستدام يُزرع بالحكمة ويُحصد استقرارًا عنوانه الطمأنينة التي ينشدها الفرقاء فلا صوت في المفاوضات التي تجري في مسقط سواء عناوين الطمأنينة، لمن يُريد أن يدرك الحلول.
